مقالات

«السياحة المصرية مسؤولية الجميع: خريطة التحديات من أجل تجربة سياحية عالمية»

شارك المقال:
«السياحة المصرية مسؤولية الجميع: خريطة التحديات من أجل تجربة سياحية عالمية»
بقلم: د. حسام درويش
خبير السياحة الدولية والتسويق السياحي التقليدي والرقمي، ورئيس الاتحاد الأفروآسيوي AFASU
عندما نتحدث عن تطوير السياحة المصرية، يتجه اهتمامنا غالبًا إلى زيادة أعداد السائحين، وافتتاح الفنادق، والترويج للمقاصد السياحية، والمشاركة في المعارض الدولية. وهي عناصر مهمة بلا شك، لكنها لا تكفي وحدها لبناء صناعة سياحية مستدامة وقادرة على المنافسة العالمية.
فالسائح لا يقيّم مصر من خلال الفندق الذي يقيم فيه فقط، ولا من خلال المتحف الذي يزوره وحده، بل من خلال منظومة متكاملة من التجارب تبدأ منذ حجز الرحلة، مرورًا بشركة الطيران والمطار والجوازات والجمارك ووسائل النقل، وصولًا إلى الفندق والمطعم والمواقع الأثرية والأسواق والشوارع والتعامل مع المجتمع المحلي.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل تعمل جميع عناصر المنظومة السياحية المصرية باعتبارها فريقًا واحدًا هدفه تقديم تجربة استثنائية للزائر؟
 أولًا: الرحلة تبدأ قبل الوصول إلى مصر
تبدأ التجربة السياحية منذ البحث عن الوجهة، ومقارنة الأسعار، والحجز الإلكتروني عن طريق مواقع مصرية مطابقة الجودة ، والحصول على التأشيرة، والتواصل مع شركة الطيران.
وهنا تظهر تحديات تتعلق بسهولة إجراءات التأشيرة، ووضوح المعلومات، وتنافسية أسعار التذاكر، وجودة خدمات الحجز، وسرعة الاستجابة لشكاوى المسافرين، والتعامل مع تأخر الرحلات أو إلغائها.
كما أن التسويق الرقمي لا ينبغي أن يقتصر على الترويج للمقاصد المصرية، بل يجب أن يتضمن معلومات دقيقة ومحدثة عن إجراءات السفر، والانتقالات، والخدمات، والتجارب المتاحة، مع سهولة الحجز والدفع والتواصل.
 ثانيًا: المطارات والجوازات والجمارك.. الانطباع الأول
يمثل المطار بوابة مصر الأولى أمام ملايين الزائرين، ولذلك فإن كفاءة الإجراءات وسهولة الحركة ووضوح الإرشادات وجودة الاستقبال عناصر أساسية في تكوين الانطباع الأول.
ومن التحديات التي تستحق المعالجة: تنظيم صفوف الوصول والمغادرة، وتوفير الإرشادات بلغات متعددة، وتحسين خدمات كبار السن وذوي الإعاقة، وتطوير أنظمة المعلومات، وتعزيز التنسيق بين الجوازات والجمارك وشركات الطيران والجهات المسؤولة عن استقبال السائحين.
ولا يقل أهمية عن ذلك وضوح إجراءات التفتيش، واحترام وقت المسافر، وتوفير وسائل النقل الرسمية بأسعار معلنة، ومواجهة أي ممارسات غير مهنية قد يتعرض لها الزائر داخل المطار أو خارجه.
كما انني اريد ان اؤكد علي ضرورة توفر الانترنت القوي المجاني لجميع المسافرين داخل المطارات المصرية.
فالانطباع الأول لا يحتاج إلى حملات إعلانية؛ بل يحتاج إلى خدمة منظمة ومحترفة.
 ثالثًا: الطيران والنقل الداخلي.. كيف يصل السائح إلى تجربته؟
تؤثر أسعار الرحلات الجوية، وتعدد خطوط الطيران، وانتظام المواعيد، وسهولة الربط بين المدن والمقاصد السياحية في قرارات السفر وتكلفة الرحلة.
وبعد الوصول، تبدأ تحديات أخرى تتعلق بالنقل بين المطارات والفنادق، وبين القاهرة والأقصر وأسوان والبحر الأحمر وسيناء، وكذلك الوصول إلى المناطق الأثرية والشواطئ والمقاصد الريفية.
ويشمل ذلك سيارات الأجرة التقليدية، وتطبيقات النقل الذكي مثل أوبر، والحافلات السياحية، والقطارات، والنقل البحري، وشركات الليموزين.
المطلوب هو توفير خيارات متنوعة وآمنة، وأسعار واضحة، وسائقين مدربين، ومركبات مناسبة، وآليات فعالة لتلقي الشكاوى، مع تحسين الربط بين وسائل النقل المختلفة.
وهنا يحضرني قول معالي الوزير شريف فتحي في منتدي الاهرام للسياحة الذي اقيم مؤخرا بمتحف الحضارات عن اهمية ان يستطيع السائح استقلال جميع وسائل النقل المحلي العام.
كما يجب النظر إلى سهولة الوصول باعتبارها جزءًا من جودة المنتج السياحي، لا مجرد خدمة مساندة له.
 رابعًا: الفنادق والمطاعم والعاملون.. الجودة ليست مبنى فقط
تتمتع مصر بتنوع كبير في المنشآت الفندقية، لكن جودة التجربة لا تُقاس بعدد الغرف أو مستوى الفخامة وحدهما.
فهي ترتبط بالنظافة، وسرعة تسجيل الوصول والمغادرة، وجودة الطعام، واحترام الخصوصية، وسرعة الاستجابة للطلبات، وشفافية الأسعار، والتعامل المهني مع الشكاوى.
ويؤدي العاملون في الفنادق والمطاعم دورًا محوريًا؛ فهم الواجهة الإنسانية للسياحة المصرية. ولذلك ينبغي الاستثمار في التدريب المستمر على اللغات، وفنون التعامل مع الثقافات المختلفة، ومهارات البيع الأخلاقي، وإدارة المواقف الصعبة، وتقديم الخدمات للأشخاص ذوي الإعاقة.
كما يجب الاهتمام بظروف العاملين، واستقرارهم الوظيفي، وحوافز الأداء، ومسارات التطور المهني؛ لأن الموظف الذي يشعر بالتقدير يكون أكثر قدرة على تقديم خدمة جيدة.
 خامسًا: البازارات والبائعون والمرشدون وسماسرة الرحلات
تعد الأسواق السياحية والحرف التقليدية جزءًا مهمًا من التجربة المصرية، ويمكن أن تكون مصدرًا مباشرًا لدعم الصناعات المحلية والأسر المنتجة.
لكن هذه القيمة قد تتأثر بالمبالغة في الأسعار، والإلحاح على السائح، وعدم وضوح الأسعار قبل الشراء، والمنتجات المقلدة التي تُعرض باعتبارها أصلية، أو الممارسات التي تضعف الثقة بين الزائر ومقدم الخدمة.
وينطبق الأمر أيضًا على بعض ممارسات السمسرة غير المنظمة، والوسطاء الذين يبيعون الرحلات أو الخدمات دون وضوح في المسؤولية أو السعر أو مستوى الخدمة.
والحل ليس التضييق على النشاط التجاري المشروع، بل تنظيمه، وترخيص الأنشطة وفق القواعد المعمول بها، ونشر الأسعار، وتوفير آليات واضحة للشكاوى، والتوعية بحقوق السائح والتاجر معًا.
أما المرشد السياحي، فيجب أن يكون سفيرًا للمعرفة والثقافة المصرية، لا مجرد ناقل للمعلومات. وتستحق مهنته دعمًا مستمرًا في التدريب والتخصص واللغات واستخدام التقنيات الحديثة.
 سادسًا: الشوارع والمرور والنظافة وسهولة الوصول
قد يقيم السائح في فندق ممتاز، لكنه يخرج ليجد صعوبة في عبور الشارع، أو ازدحامًا مروريًا شديدًا، أو أرصفة غير صالحة للمشي، أو نقصًا في اللوحات الإرشادية، أو صعوبة في الوصول إلى موقع أثري.
وهنا تظهر أهمية التنسيق بين الجهات السياحية والمحليات والمرور والنقل والمرافق والجهات المسؤولة عن البيئة والتجميل الحضري.
وتشمل الأولويات تحسين نظافة الشوارع، وصيانة الأرصفة، وتوفير معابر آمنة للمشاة، وتطوير الإنارة، وتنظيم حركة الحافلات السياحية، وإتاحة مواقف مناسبة، والحد من الضوضاء والتلوث البصري، وتحسين الوصول إلى المواقع السياحية لذوي الإعاقة وكبار السن.
كما ينبغي تطوير إدارة الازدحام حول المناطق الأثرية والمتاحف والمناطق التجارية، خاصة في مواسم الذروة.
فجودة المقصد السياحي لا تنتهي عند بوابة الفندق أو الموقع الأثري؛ بل تمتد إلى البيئة المحيطة به.
 سابعًا: المواقع الأثرية والمتاحف والتجارب السياحية
تمتلك مصر ثروة حضارية وتاريخية استثنائية، لكن تعظيم قيمتها السياحية يتطلب أكثر من الحفاظ على الآثار والترويج لها.
فمن الضروري الاهتمام بإدارة الحشود، وتوفير دورات مياه نظيفة، وتحسين اللوحات التفسيرية والخرائط، وإتاحة المعلومات بلغات متعددة، وتطوير نظم الحجز الإلكتروني، وتحديد الطاقة الاستيعابية المناسبة للمواقع الحساسة.
كما يمكن إثراء التجربة من خلال الجولات التفاعلية، والمرشدين المتخصصين، والتقنيات الرقمية، والبرامج الثقافية، والسياحة الليلية حيثما تسمح الاعتبارات الفنية والأمنية والأثرية.
ويجب أيضًا الاهتمام بالمواقع الأقل شهرة، وربطها بمسارات سياحية متكاملة تساعد على توزيع الحركة السياحية جغرافيًا وزمنيًا، وتمنح المجتمعات المحلية فرصًا اقتصادية أوسع.
 ثامنًا: المجتمع المحلي.. شريك في النجاح وليس مجرد متفرج
لا يمكن بناء سياحة مستدامة دون مشاركة المجتمعات التي تستضيف السائحين.
فتاهيل المجتمع المحلي ضرورة لقطاع السياحة.
فالمواطن الذي يشعر بأن السياحة توفر فرص عمل وتحسن الخدمات وتحافظ على التراث يصبح شريكًا طبيعيًا في حماية المقصد السياحي والترويج له.
أما إذا لم يشعر المجتمع بالعائد، فقد تنشأ فجوة بين النشاط السياحي والحياة اليومية للسكان.
ولذلك ينبغي دعم المشروعات الصغيرة، والأسر المنتجة، والحرفيين، والمطاعم المحلية، والمنتجات الزراعية، والأنشطة الثقافية، مع تعزيز الوعي السياحي لدى المواطنين، واحترام خصوصية المجتمع وعاداته، وتحقيق التوازن بين احتياجات السكان والزائرين.
إن كرم الضيافة قيمة مصرية أصيلة، لكنها تزداد تأثيرًا عندما تدعمها خدمات جيدة وتنظيم احترافي وثقافة تحترم الزائر والمواطن معًا.
 تاسعًا: جهات أخرى لا تقل أهمية
هناك أطراف أخرى يجب أن تكون جزءًا من منظومة التطوير، ومنها:
شركات السياحة ومنظمو الرحلات: الالتزام ببرامج واضحة وأسعار معلنة، وتقديم معلومات دقيقة، وإدارة التوقعات، والاستجابة للمشكلات والبعد تماما عن سياسة حرق الاسعار التي تدمر سمعة المقصد السياحي.
منصات الحجز الإلكتروني:
 ضمان وضوح السياسات والأسعار والرسوم وشروط الإلغاء، وتسهيل التواصل عند حدوث خلاف.
الاتصالات والإنترنت والمدفوعات الإلكترونية:
توفير اتصال موثوق، وتغطية مناسبة، ووسائل دفع سهلة وآمنة.
البنوك والصرافة:
 تسهيل المعاملات المالية وتوفير معلومات واضحة عن الرسوم وأسعار الصرف، وفق القواعد المنظمة.
المطاعم والمقاهي:
 الالتزام بالنظافة وسلامة الغذاء، ووضوح الأسعار، وتنوع الخيارات، ومراعاة احتياجات الزوار المختلفة.
المستشفيات والخدمات الصحية والطوارئ:
 توفير الاستجابة السريعة، والمعلومات اللازمة، وخدمات مناسبة للزائر عند الحاجة.
-الشرطة والجهات الرقابية:
حماية السائح، وتطبيق القانون، ومواجهة الاحتيال والتحرش والممارسات المخالفة، مع التعامل المهني والإنساني.
شركات الاتصالات والإعلام والمؤثرون:
 تقديم صورة واقعية وجذابة عن مصر، وعدم تضليل الجمهور أو المبالغة في الوعود حتي المؤثرون لا بد من تدريبهم بعناية.
المستثمرون والمطورون:
 الالتزام بمعايير الاستدامة، والحفاظ على البيئة والتراث، وتوفير منتجات تتناسب مع الأسواق المستهدفة.
الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني:
 توحيد الجهود وتبادل البيانات، وتحديد المسؤوليات، وقياس النتائج بدلًا من الاكتفاء بالمبادرات المنفصلة.
 عاشرًا: التسويق السياحي لا يستطيع إخفاء تجربة سيئة
تستطيع الحملات الإعلانية أن تجذب السائح إلى مصر مرة، لكن التجربة الجيدة هي التي تدفعه إلى العودة والتوصية بها للآخرين.
وفي عصر المنصات الرقمية، أصبحت مراجعات الزائرين وصورهم ومقاطع الفيديو التي ينشرونها جزءًا من سمعة المقصد السياحي. وقد تنتشر تجربة سلبية بسرعة، مثلما يمكن لتجربة استثنائية أن تحقق ترويجًا واسعًا بتكلفة محدودة.
لذلك يجب الانتقال من مفهوم التسويق الذي يركز على جذب السائح فقط إلى مفهوم أوسع يجمع بين التسويق وإدارة تجربة الزائر وقياس رضاه وتشجيعه على العودة.
ويشمل ذلك إنشاء قنوات موحدة لتلقي الشكاوى، والاستجابة السريعة لها، وتحليل أسبابها، ونشر مؤشرات أداء دورية تساعد على تحسين الخدمات.
من التشخيص إلى الحل: ما الذي نحتاج إليه؟
أقترح العمل على برنامج وطني متكامل لتحسين تجربة السائح في مصر، يرتكز على خمس خطوات:
1. تحديد المسؤوليات:
 وضع خريطة واضحة لأصحاب المصلحة، وتحديد مسؤولية كل جهة عن كل مرحلة من رحلة السائح.
2. قياس التجربة:
إجراء استطلاعات منتظمة، وتحليل الشكاوى والمراجعات الرقمية، وقياس الرضا عن كل خدمة على حدة.
3. التدريب والتوعية:
 تطوير برامج مستمرة للعاملين في السياحة والنقل والتجارة والخدمات، مع إشراك المجتمع المحلي.
4. التحول الرقمي:
 توفير معلومات موحدة ومحدثة، وتسهيل الحجز والدفع والاستفسار وتقديم الشكاوى.
5. المتابعة والمحاسبة:
 وضع مؤشرات قابلة للقياس، وجداول زمنية للتحسين، وتقييم النتائج بصورة دورية، مع تقدير الجهات والأفراد الذين يحققون تطورًا ملموسًا.
ولا ينبغي أن تكون هذه الخطوات مجرد حملة مؤقتة، بل ثقافة مؤسسية مستدامة تتطور باستمرار وفق احتياجات الزائر والأسواق الدولية.
 الخلاصة: مصر ليست فندقًا أو أثرًا.. مصر تجربة متكاملة
إن مستقبل السياحة المصرية لا يتوقف فقط على ما نمتلكه من آثار وشواطئ وفنادق ومقومات طبيعية، وإنما يرتبط أيضًا بقدرتنا على تحويل هذه الثروة إلى تجربة متكاملة يشعر فيها السائح بالأمان والراحة والاحترام والقيمة مقابل ما يدفعه.
فالسائح لا يرى الجهات الحكومية منفصلة، ولا يعرف دائمًا حدود اختصاص كل مؤسسة؛ إنه يرى مصر باعتبارها وجهة واحدة، ويكوّن انطباعه عنها من مجموع ما يواجهه من مواقف وتجارب.
ومن هنا، فإن تطوير السياحة المصرية مسؤولية مشتركة تبدأ من صانع القرار، وتمر بشركة الطيران والمطار وشركات السياحة والفندق والمرشد والسائق والبائع، وتصل إلى كل مواطن يتعامل مع الزائر.
السؤال الذي يجب أن نطرحه جميعًا ليس فقط: كيف نجذب المزيد من السائحين إلى مصر؟ بل: كيف نجعل كل سائح يزور مصر سفيرًا لها، وكيف نحول زيارته الأولى إلى تجربة تدفعه إلى العودة مرة أخرى؟
فالسياحة صناعة متكاملة، ونجاحها الحقيقي يتحقق عندما يعمل جميع أصحاب المصلحة معًا من أجل هدف واحد: تقديم تجربة مصرية تليق بتاريخ البلاد ومكانتها وإمكاناتها المستقبلية.
 حتي نصل الي ثلاثون مليون سائح عن جدارة.
ملاحظة1:
هذه الخريطة تصلح لكل الدول العربية الشقيقة فانا بفضل الله اقمت ورشة عمل كاملة عن تحديات السياحة البحرينية في العاصمة المنامة بتكليف من وزارة السياحة هناك وحققت نتائج هائلة.
ملاحظة2: صممت صورة لتناسب المقال مستخدما الذكاء الاصطناعي.

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀