بقلم: د. حسام درويش
الخبير الدولي في السياحة والتسويق السياحي التقليدي والرقمي، ورئيس الاتحاد الأفريقي الآسيوي AFASU
السياحة لا يحميها السائح وحده.. بل يحميها المجتمع الذي يستقبله
تخيلوا طفلًا مصريًا يقف أمام معبد أثري في قريته، فيتعرف إلى قيمته قبل أن يتعلم أسماء الملوك الذين شيدوه. وتخيلوا فتاة في مدرسة ريفية تدرك أن حرفة جدتها ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل مهارة يمكن أن تتحول إلى مشروع اقتصادي ناجح. وتخيلوا مزارعًا يرى في أرضه وطعامه ومنتجاته فرصة لاستقبال الزوار، وشابًا يحول معرفته بقريته إلى تجربة سياحية رقمية تصل إلى العالم، ورجلًا مسنًا يجلس في مجلس القرية ليروي للأجيال الجديدة حكايات المكان وتاريخه وأسراره.
هؤلاء ليسوا شخصيات هامشية في المشهد السياحي، بل هم أصحاب الدور الأعمق في صناعة سياحة مستدامة قادرة على البقاء والنمو.
وهنا يجب أن نعيد طرح سؤال جوهري: هل يكفي أن نبني الفنادق، ونطور المطارات، ونرمم الآثار، ونطلق الحملات الترويجية حتى نصنع وجهة سياحية ناجحة؟
الإجابة: لا.
فقد تمتلك الدولة أعظم الآثار، وأجمل الشواطئ، وأعرق الحضارات، وأفخم الفنادق، لكنها لن تحقق كامل إمكاناتها السياحية إذا ظل المجتمع المحلي متفرجًا على النشاط السياحي، أو شعر بأنه غريب عن منافعه، أو اعتبر السائح مصدرًا للإزعاج بدلًا من أن يراه فرصة للتنمية.
إن السياحة الناجحة لا تبدأ عند بوابة الفندق، ولا تنتهي عند مغادرة السائح للمطار؛ إنها تبدأ من وعي المجتمع بقيمة المكان الذي يعيش فيه، وتنمو بقدر مشاركته في منافعه، وتستمر بقدر استعداده لحمايته.
ومن هنا تأتي رؤيتي: الانتقال من مفهوم المجتمع المحلي بوصفه مستفيدًا محتملًا من السياحة، إلى مفهوم أكثر عمقًا، يجعل منه شريكًا في التخطيط، وصانعًا للتجربة السياحية، وحارسًا للهوية، وضامنًا لاستدامة الموارد.
أولًا: السياحة مسؤولية تُزرع في الطفولة قبل أن تتحول إلى سلوك في الكبر
إذا أردنا مجتمعًا يحمي السياحة بعد عشرين عامًا، فعلينا أن نبدأ اليوم بأطفال المدارس.
فالطفل الذي يتعلم احترام الأثر، والمحافظة على النظافة، وتقدير الاختلاف الثقافي، وحسن استقبال الزائر، لا يتلقى مجرد دروس في السلوك، بل يكتسب قيمًا تؤثر في طريقة تعامله مع مدينته ووطنه والعالم.
لكن التوعية السياحية لا ينبغي أن تظل محصورة في محاضرة مدرسية عابرة، أو مسابقة سنوية تنتهي بتوزيع الجوائز.
نحتاج إلى تأسيس ثقافة سياحية ممتدة عبر مراحل التعليم والحياة، من خلال برامج عملية تناسب كل مرحلة عمرية.
في رياض الأطفال، يتعلم الصغار حب المكان والمحافظة على البيئة.
وفي المرحلة الابتدائية، يكتشف التلاميذ آثار مدنهم وقراهم، ويتعرفون إلى قصصها وشخصياتها التاريخية وحرفها التقليدية.
وفي المرحلة الإعدادية، يشاركون في رحلات استكشافية ومبادرات للنظافة وحماية المواقع التراثية، ويتعلمون كيف يقدمون معلومات صحيحة عن مجتمعهم.
أما طلاب المرحلة الثانوية، فيمكن تدريبهم على الإرشاد المجتمعي الأساسي، والتصوير السياحي، وصناعة المحتوى الرقمي، واللغات، وريادة الأعمال السياحية.
وفي الجامعات، يمكن إطلاق أندية للسياحة المستدامة، وبرامج تطوعية لحماية التراث، ومشروعات تخرج مرتبطة باحتياجات المقاصد السياحية المحيطة بها.
والأهم أن تتجاوز هذه البرامج أسوار المدرسة والجامعة، لتصل إلى الأسرة والشارع والنادي ومركز الشباب.
فالطفل الذي يشارك والديه في زيارة موقع أثري، ويتعلم كيف يحافظ عليه، يمكن أن يصبح لاحقًا مواطنًا يرفض العبث به، وشابًا يعمل على الترويج له، وربما مستثمرًا يساهم في تطوير المنطقة المحيطة به.
إن الاستثمار في الوعي السياحي للطفل هو استثمار في أمن التراث ومستقبل الاقتصاد الوطني.
ثانيًا: لا نريد مجتمعًا يحفظ التعليمات.. بل مجتمعًا يفهم قيمة السياحة
ثمة فارق كبير بين أن نطلب من المواطن ألا يلقي القمامة في الشارع، وأن نجعله يدرك أن نظافة شارعه جزء من صورة مدينته أمام العالم.
وثمة فارق بين أن نطالب صاحب متجر بحسن معاملة السائح، وأن نشرح له كيف تؤثر تجربته في سمعة المقصد السياحي، وفي قرار الزائر بالعودة، وفي فرص العمل المتاحة لأبنائه.
الأول توجيه للسلوك، والثاني بناء للوعي.
ولذلك يجب ألا تقتصر التوعية السياحية على تعريف المواطنين بأهمية السياحة للاقتصاد، بل ينبغي أن تربط بين السياحة وحياتهم اليومية ومصالحهم المباشرة.
فالسياحة تعني فرصًا للعمل للشباب، وأسواقًا جديدة للحرفيين، ومنافذ بيع للمزارعين، وطلبًا متزايدًا على المنتجات المحلية، وفرصًا للنساء لإطلاق مشروعات منزلية، وإمكانية لإحياء قرى كانت تعاني محدودية فرص التنمية.
وعندما يشعر المواطن بأن نجاح السياحة يمكن أن ينعكس على دخله، وخدمات منطقته، ومستقبل أسرته، تصبح المحافظة على المقصد السياحي مصلحة شخصية ومجتمعية، وليست مجرد واجب تفرضه الجهات الرسمية.
لكن يجب التأكيد على حقيقة مهمة: لا يجوز تحميل المجتمع مسؤولية حماية السياحة دون إشراكه في منافعها، أو مطالبته بالتضحية براحة حياته من أجل نشاط اقتصادي لا يحصل على نصيب عادل من عوائده.
المجتمع الذي نطالبه بحماية السياحة يجب أن يجد في السياحة ما يستحق الحماية.
وهذه هي نقطة التحول من التوعية التقليدية إلى الشراكة الحقيقية.
ثالثًا: من القاهرة إلى أصغر نجع.. كل مكان يمتلك منتجًا سياحيًا يستحق الاكتشاف
من الأخطاء الشائعة اختزال السياحة في المدن الكبرى، والمناطق الأثرية الشهيرة، والمنتجعات الساحلية.
فخلف كل مدينة حكاية، وخلف كل قرية ذاكرة، وخلف كل نجع تفاصيل قد لا يعرفها حتى سكان المناطق المجاورة.
قد تتميز قرية بزراعة محصول معين، أو بصناعة الفخار، أو بالنسيج اليدوي، أو بالأطعمة التراثية، أو بالعمارة التقليدية، أو بالموسيقى الشعبية، أو بطقوس اجتماعية تعكس تاريخ المجتمع وتطوره.
وقد تمتلك منطقة أخرى مسارات طبيعية، أو مناظر زراعية، أو قصصًا تاريخية، أو تقاليد في الضيافة، أو أسواقًا شعبية تمثل جزءًا من هويتها.
هذه العناصر يمكن أن تشكل أساسًا لتجارب سياحية متنوعة، إذا جرى توثيقها وتطويرها وتسويقها بمسؤولية.
ومن هنا أقترح إطلاق مبادرة وطنية بعنوان «كل قرية حكاية.. وكل حكاية فرصة»، تقوم على حصر المقومات السياحية والثقافية والبيئية والاقتصادية في المدن والقرى والنجوع.
تبدأ المبادرة بتشكيل فرق محلية تضم ممثلين عن المجتمع، والشباب، والحرفيين، والمزارعين، والمدارس، والجمعيات الأهلية، والإدارة المحلية، والمتخصصين في السياحة.
وتتولى هذه الفرق الإجابة عن أسئلة عملية:
– ما الذي يميز هذا المكان عن غيره؟
– ما الحكايات والعادات والحرف التي تستحق التوثيق؟
– ما الموارد الطبيعية والثقافية التي يمكن تقديمها للزوار دون الإضرار بها؟
– ما الخدمات والتجهيزات التي يحتاج إليها المكان؟
– كيف يمكن أن يستفيد السكان اقتصاديًا من النشاط السياحي؟
– ما العناصر التي يجب حمايتها من الاستغلال التجاري أو التشويه؟
وبعد ذلك، تُصمم تجارب سياحية صغيرة تتناسب مع طبيعة المكان وقدراته، مثل الزيارات الزراعية، وورش الحرف التقليدية، وتجارب الطعام المحلي، والجولات الثقافية، والأسواق التراثية، ومسارات المشي والطبيعة.
ليس الهدف أن تتحول كل قرية إلى منتجع سياحي، ولا أن نفقد المجتمعات المحلية خصوصيتها من أجل إرضاء الزوار.
الهدف أن نكتشف ما تمتلكه كل منطقة بالفعل، وأن نحول بعض عناصره إلى فرص تنموية تحترم هوية السكان واحتياجاتهم.
رابعًا: المواطن البسيط ليس بعيدًا عن السياحة.. بل قد يكون أهم سفرائها
من الضروري أن نتجاوز فكرة أن المشاركة السياحية تحتاج إلى تعليم عالٍ، أو إجادة اللغات الأجنبية، أو امتلاك رأس مال كبير.
فالمجتمع المحلي يضم أدوارًا متنوعة، ولكل فرد قدرة يمكن توظيفها في خدمة السياحة.
المزارع يستطيع تقديم تجربة ريفية أصيلة، وتعريف الزوار بالمحاصيل وأساليب الزراعة التقليدية.
والحرفي يستطيع نقل خبرته إلى الأجيال الجديدة، وفتح ورشته للزيارة، وتسويق منتجاته مباشرة.
والسيدة التي تتقن إعداد الطعام المحلي تستطيع تطوير مشروع غذائي يلتزم بمعايير الجودة والسلامة، ويقدم جزءًا من التراث الثقافي للمنطقة.
وسائق التاكسي أو وسيلة النقل المحلية يستطيع أن يقدم معلومات صحيحة، ويحافظ على قواعد التعامل المهني، ويترك انطباعًا إيجابيًا لدى الزائر.
والعامل في السوق الشعبي يستطيع أن يكون نموذجًا للأمانة وحسن الاستقبال.
أما كبار السن، فيمكن أن يصبحوا رواة للذاكرة المحلية، يوثقون الحكايات والمهن والعادات والتغيرات التي شهدتها المنطقة، بالتعاون مع الباحثين والمؤسسات الثقافية.
وحتى المواطن الذي لا يتعامل مباشرة مع السائح، يستطيع دعم السياحة من خلال المحافظة على النظافة، واحترام المواقع الأثرية، والإبلاغ عن التعديات، وصون البيئة، وعدم السماح بتشويه المعالم أو استغلال الزائر.
وهنا يجب أن نميز بين مستويين من المشاركة:
المشاركة المباشرة: من خلال العمل والخدمات والمنتجات والتجارب السياحية.
المشاركة غير المباشرة: من خلال حماية المكان، وتحسين البيئة المحلية، ودعم السلوك الحضاري، وصناعة صورة إيجابية عن المجتمع.
كلاهما ضروري، وكلاهما يستحق التقدير.
ولا ينبغي أن تكون الشهادة الدراسية معيارًا وحيدًا لتحديد قدرة الإنسان على المشاركة؛ فالمعرفة العملية، والخبرة المتوارثة، والمهارات الحرفية، والذاكرة المحلية، كلها أصول تنموية حقيقية.
لكن الأصالة وحدها لا تكفي. فلا بد من توفير التدريب المناسب في السلامة والنظافة والجودة والتسعير العادل والتعامل مع الزوار.
نحن لا نحتاج إلى تحويل كل مواطن إلى موظف سياحي، بل إلى تمكين كل مواطن من أداء دوره في حماية السياحة ودعمها.
خامسًا: السياحة التي لا تصل إلى جيوب السكان.. شراكة ناقصة
من الصعب أن نطالب سكان المناطق السياحية بحماية النشاط السياحي إذا كانوا يشاهدون الزوار يتوافدون إلى منطقتهم، بينما تذهب معظم العوائد الاقتصادية إلى جهات بعيدة عن مجتمعهم.
ولهذا يجب أن يتحول إشراك المجتمع المحلي من مبادرات رمزية إلى سياسة اقتصادية واضحة.
يمكن تحقيق ذلك من خلال عدة مسارات:
1. دعم المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر
توفير برامج تمويل وتدريب للمشروعات التي يقدمها أبناء المناطق السياحية، مثل الحرف اليدوية، والمنتجات الغذائية، وخدمات النقل المحلي، والتجارب الثقافية، والإقامة الريفية المناسبة.
2. ربط المنشآت السياحية بالموردين المحليين
تشجيع الفنادق والمطاعم وشركات السياحة على شراء جزء مناسب من احتياجاتها من المنتجات المحلية، متى توافرت معايير الجودة والسلامة والأسعار التنافسية.
3. تطوير الأسواق الحرفية
إنشاء منافذ منظمة تتيح للحرفيين عرض منتجاتهم وبيعها مباشرة للزوار، مع حماية حقوق الملكية الفكرية للتصميمات التراثية، ومنع تقليدها أو استغلال أصحابها.
4. تمكين المرأة اقتصاديًا
دعم النساء في القرى والمناطق الريفية لإطلاق مشروعات ترتبط بالطعام التقليدي، والحرف، والمنتجات الزراعية، والضيافة، والخدمات الثقافية، مع توفير التدريب والتسويق الرقمي المناسبين.
5. تأهيل الشباب لوظائف المستقبل السياحية
تدريب الشباب على إدارة التجارب السياحية، والتصوير، والتسويق الإلكتروني، وصناعة المحتوى، وإدارة الحجوزات، واللغات، والمهارات الرقمية، وريادة الأعمال.
6. إعادة استثمار جزء من العوائد في المجتمع
العمل على تطوير آليات قانونية وشفافة تتيح توجيه موارد مناسبة من الأنشطة السياحية، أو من برامج المسؤولية المجتمعية للمنشآت، إلى تحسين الخدمات العامة وحماية التراث والبيئة المحلية.
والأهم أن يتم ذلك بالشراكة مع السكان، لا بالنيابة عنهم فقط.
فالمجتمع المحلي ليس مجرد سوق للعمالة منخفضة الأجر، وليس ديكورًا تراثيًا تستخدمه الحملات الدعائية؛ إنه شريك اقتصادي وثقافي يستحق الفرصة والاحترام والعائد العادل.
سادسًا: التكنولوجيا تفتح أبواب السياحة أمام أصغر القرى
في الماضي، كان وصول قرية صغيرة إلى الأسواق السياحية العالمية يحتاج إلى إمكانات تسويقية ضخمة، وشركات وسيطة، وقنوات توزيع يصعب على الأفراد الوصول إليها.
أما اليوم، فقد أصبحت التكنولوجيا قادرة على تقليل هذه الحواجز.
يمكن لشاب من قرية مصرية أن يصور ورشة فخار، ويوثق مراحل صناعة منتج تقليدي، ويعرض تجربة زراعية، ويقدم جولة افتراضية لمعالم منطقته، ثم ينشرها عبر المنصات الرقمية بلغات متعددة.
ويمكن لجمعية محلية أن تنشئ صفحة إلكترونية تعرض التجارب المتاحة، وتوضح الأسعار، وتتيح التواصل والحجز وفق ضوابط مهنية واضحة.
ويمكن للتعاون بين الجهات السياحية والمجتمع المحلي أن ينتج خريطة رقمية للموارد الثقافية والطبيعية، تتضمن معلومات دقيقة عن الحرفيين والمزارعين والمواقع التراثية والمنتجات المحلية.
لكن الأمر لا يتوقف عند نشر الصور ومقاطع الفيديو.
نحتاج إلى تدريب السكان على التسويق الرقمي المسؤول، والتحقق من المعلومات، وحماية الخصوصية، وإدارة الحجوزات، والتعامل مع تقييمات الزوار، وتجنب الممارسات المضللة.
كما يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في ترجمة المحتوى، وإنتاج مواد تعريفية أولية، وتحليل اهتمامات الزوار، ومساعدة المشروعات الصغيرة في تحسين وصولها إلى الأسواق، مع مراجعة المعلومات وضمان احترام حقوق أصحاب المحتوى والتراث.
وأقترح هنا إنشاء «سفير السياحة الرقمي في كل قرية»، من الشباب الذين يتلقون تدريبًا عمليًا على توثيق المقومات المحلية والترويج لها، بالتعاون مع الجهات المختصة والمتخصصين.
بهذه الطريقة، لا تصبح التكنولوجيا حكرًا على الشركات الكبرى، بل تتحول إلى أداة تمنح المجتمعات الصغيرة فرصة عادلة للتعريف بنفسها.
سابعًا: من التوعية إلى الحماية.. المجتمع خط الدفاع الأول عن التراث
إن حماية السياحة لا تعني فقط حماية الآثار من السرقة أو التخريب، بل تشمل منظومة أوسع من المسؤوليات.
إنها حماية البيئة من التلوث، والمياه من الهدر، والشواطئ من التعديات، والمباني التاريخية من التشويه، والحرف من الاندثار، والعادات الأصيلة من الاستغلال التجاري، وحقوق السكان من التجاوز.
والمجتمع المحلي، بحكم قربه من المكان ومعرفته بتفاصيله، يمكن أن يكون شريكًا أساسيًا في اكتشاف المخاطر مبكرًا.
فأهل القرية يعرفون التغيرات التي تطرأ على تراثها، والصياد يعرف طبيعة البيئة البحرية التي يعتمد عليها، والمزارع يعرف موارد أرضه، والحرفي يعرف أسرار مهنته، وكبار السن يعرفون ما تغير وما اختفى من ذاكرة المكان.
لكن تحويل هذه المعرفة إلى حماية فعالة يحتاج إلى آليات واضحة، تشمل:
– تشكيل لجان مجتمعية استشارية لحماية التراث والبيئة.
– توفير قنوات رسمية للإبلاغ عن التعديات والمخاطر.
– إشراك السكان في تحديد أولويات التطوير السياحي.
– تنظيم حملات دورية للنظافة وحماية المواقع الطبيعية.
– دعم توثيق الحرف والعادات والموروثات المهددة بالاندثار.
– تدريب المرشدين المحليين والمتطوعين على قواعد السلامة وحماية المواقع.
– ضمان عدم استخدام المشاركة المجتمعية ذريعة لنقل مسؤوليات الدولة القانونية إلى المواطنين.
ومن المهم أن تكون الحماية قائمة على المعرفة والقانون، لا على المواجهات الفردية أو الاتهامات غير الموثقة.
كما يجب ألا تتحول السياحة إلى مبرر لتهجير السكان، أو إقصائهم عن الأماكن التي ارتبطوا بها تاريخيًا، أو فرض أنماط تطوير تهدد خصوصيتهم الثقافية.
فالسياحة المستدامة تحمي الإنسان والمكان معًا، ولا تضع أحدهما في مواجهة الآخر.
ثامنًا: كيف نبني شراكة سياحية تبدأ بالطفل وتستمر حتى الشيخوخة؟
لكي تصبح المشاركة المجتمعية سياسة قابلة للتنفيذ، أقترح إطلاق برنامج وطني متكامل بعنوان:
«من المدرسة إلى المجتمع.. أجيال تحمي السياحة»
يقوم البرنامج على خمس مراحل مترابطة:
المرحلة الأولى: التأسيس في الطفولة
إدماج أنشطة مبسطة عن التراث والبيئة والضيافة في المدارس ومراكز الأنشطة، وتنظيم زيارات ميدانية مناسبة للأعمار، وتشجيع الأطفال على اكتشاف معالم مناطقهم وتوثيقها بالرسم والكتابة والتصوير.
المرحلة الثانية: بناء المهارات في الشباب
إنشاء برامج تدريبية في السياحة المجتمعية، وريادة الأعمال، والحرف، واللغات، والتسويق الرقمي، والإرشاد المحلي الأساسي، مع إتاحة فرص تطبيقية وتدريب مهني حقيقي.
المرحلة الثالثة: تمكين الأسر والمنتجين المحليين
مساعدة الأسر والحرفيين والمزارعين وأصحاب المشروعات الصغيرة على تطوير منتجاتهم وخدماتهم، وربطهم بقنوات التسويق والبيع، وتوفير الإرشاد الفني والتمويل المناسب وفق آليات واضحة.
المرحلة الرابعة: إشراك الخبرات المتراكمة
إطلاق مبادرات لتوثيق الذاكرة المحلية بمشاركة كبار السن، وتسجيل الروايات الشفوية، وحفظ وصفات الطعام التقليدي، وتاريخ الحرف، والأغاني الشعبية، والقصص المرتبطة بالمكان، بعد الحصول على موافقات أصحابها واحترام حقوقهم.
المرحلة الخامسة: الحوكمة والمشاركة في القرار
تشكيل مجالس أو لجان محلية استشارية للسياحة تضم ممثلين متنوعين عن السكان والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجهات الحكومية، وتتيح لهم المشاركة في مناقشة خطط التطوير، ومراجعة آثار المشروعات على البيئة والمجتمع، واقتراح الحلول.
ولا بد من وضع مؤشرات لقياس النتائج، مثل عدد السكان الذين تلقوا التدريب، والمشروعات المحلية التي دخلت السوق السياحية، ونسبة المشتريات المحلية لدى المنشآت المشاركة، ومستوى رضا السكان، وحالة المواقع التراثية، وفرص العمل المستحدثة، ومشاركة النساء والشباب.
كما ينبغي نشر نتائج البرنامج دوريًا، حتى لا تتحول المشاركة المجتمعية إلى شعار إعلامي بلا أثر قابل للقياس.
تاسعًا: السياحة ليست مسؤولية وزارة وحدها
إن نجاح هذه الرؤية يتطلب تكاملًا بين جهات متعددة.
فوزارة السياحة والآثار تستطيع قيادة الجانب المتخصص بالتنسيق مع الجهات المعنية، بينما تؤدي وزارة التربية والتعليم دورًا محوريًا في بناء الوعي لدى الأطفال، وتسهم الجامعات ومراكز البحث في التوثيق والتدريب والتقييم.
وتشارك المحليات في تحسين البيئة العامة وتنظيم الأنشطة، بينما تقدم الجمعيات الأهلية والمراكز الشبابية قنوات فعالة للوصول إلى السكان.
أما الفنادق وشركات السياحة والمستثمرون، فعليهم تطوير برامج شراكة حقيقية مع المجتمعات المحيطة، وفتح مسارات للتدريب والتوظيف والتوريد المحلي، كلما كان ذلك ممكنًا ومناسبًا لطبيعة النشاط.
ويمكن للاتحادات والمنظمات المهنية، ومنها الاتحاد الأفريقي الآسيوي AFASU، أن تسهم في نشر الممارسات الجيدة، وتبادل الخبرات بين الدول، وبناء برامج تدريبية، وتشجيع المبادرات التي تربط السياحة بالتنمية المحلية.
كذلك ينبغي الاستفادة من الخبرات الدولية في السياحة المجتمعية والسياحة الريفية وحماية التراث، مع تكييفها وفق الخصوصية المصرية، بدلًا من نقل نماذج جاهزة قد لا تتناسب مع ظروف القرى والمدن المصرية.
والأهم من تعدد الجهات هو وجود إطار تنسيقي يحدد المسؤوليات، ويمنع تكرار الجهود، ويضمن استمرار المبادرات بعد انتهاء الحملات أو تغير القيادات.
فالمشاركة المجتمعية ليست مشروعًا موسميًا، بل ثقافة مؤسسية يجب أن تستمر وتتطور.
عاشرًا: من أجل عقد اجتماعي جديد بين السياحة والمجتمع
أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة صياغة العلاقة بين صناعة السياحة والمجتمع المحلي على أساس من الثقة والمنفعة المتبادلة والمسؤولية المشتركة.
عقد اجتماعي جديد، لا يكون المواطن فيه مجرد شخص يُطلب منه الحفاظ على النظافة، ولا تكون القرية مجرد خلفية جميلة للصور الترويجية، ولا يكون الحرفي مجرد بائع لمنتج تقليدي، ولا يكون الطفل مجرد متلقٍ لمحاضرة عن أهمية السياحة.
بل يصبح كل منهم طرفًا في معادلة التنمية.
الدولة تضع السياسات وتوفر البنية الأساسية وتحمي الحقوق.
والقطاع الخاص يستثمر ويخلق فرص العمل ويلتزم بالمعايير المهنية والبيئية.
والمؤسسات التعليمية والثقافية تبني الوعي وتنقل المعرفة.
والمجتمع المحلي يشارك في صنع التجربة السياحية، ويحمي مواردها، ويسهم في تطويرها.
أما السائح، فيصبح ضيفًا يحترم المكان وثقافة أهله، ويسهم إنفاقه وسلوكه المسؤول في دعم الاقتصاد المحلي والمحافظة على الموارد.
وعندما تتكامل هذه الأدوار، تصبح السياحة أكثر من نشاط اقتصادي؛ تصبح وسيلة لتعزيز الانتماء، وصون الهوية، وتحسين جودة الحياة، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال.
الخلاصة: أعظم استثمار سياحي هو الإنسان
إن مستقبل السياحة لا يتحدد فقط بعدد الغرف الفندقية، أو حجم الاستثمارات، أو عدد السائحين الوافدين، أو قيمة الإيرادات.
فهذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تكشف وحدها عن مدى ارتباط المجتمع بصناعته السياحية، ولا عن قدرته على حماية مواردها، ولا عن نصيبه العادل من ثمارها.
المعيار الأعمق هو أن نصل إلى مرحلة يشعر فيها الطفل بالفخر بتراث بلده، ويجد الشاب فرصة حقيقية لبناء مستقبله من خلال السياحة، وتجد المرأة مجالًا لتطوير مشروعها، ويجد الحرفي سوقًا يحترم مهارته، ويجد المزارع قيمة مضافة في أرضه، ويشعر المواطن البسيط بأن نجاح السياحة جزء من نجاح مجتمعه.
حينها فقط يمكن أن نقول إننا نجحنا في بناء شريك مجتمعي حقيقي.
وأؤمن بأن مصر، بما تمتلكه من حضارة ممتدة، وتنوع جغرافي وثقافي، وثراء في المدن والقرى والنجوع، قادرة على تقديم نموذج متقدم في السياحة التي تنطلق من الإنسان، وتحترم المجتمع، وتحمي التراث، وتوزع فرص التنمية على نطاق أوسع.
فليست القضية أن نجعل كل مواطن يعمل في السياحة، بل أن نجعل كل مواطن قادرًا على فهمها، ودعمها، والمشاركة في منافعها، وحماية مقوماتها.
وليست القضية أن نورث أبناءنا آثارًا عظيمة فحسب، بل أن نورثهم الوعي بقيمتها والمسؤولية عن صونها.
فالسياحة التي يراها المجتمع فرصة تستحق الدعم، ويشعر بأنه شريك في نجاحها، ويثق بأن عوائدها تعود بالنفع على حاضره ومستقبل أبنائه، هي السياحة الأقدر على الصمود والنمو والاستدامة.
وأختم برؤية أرى أنها تستحق أن تتحول إلى مشروع وطني طويل الأمد:
«نريد طفلًا يحترم تراثه، وشابًا يصنع فرصته، وأسرة تستفيد من سياحتها، وقرية تفخر بهويتها، ومدينة تحمي جمالها، وكبيرًا ينقل ذاكرته إلى الأجيال.. حتى يصبح المجتمع كله شريكًا في صناعة السياحة، وحارسًا لمقوماتها، وسفيرًا لحضارته أمام العالم».
لأن أعظم ما يمكن أن تقدمه السياحة للمجتمع ليس دخلًا اقتصاديًا فقط، بل شعورًا متجددًا بقيمة الإنسان والمكان، وإيمانًا بأن الحضارة التي ورثناها ليست مجرد ماضٍ نفخر به، وإنما أمانة نحميها، وفرصة ننميها، ومستقبل نبنيه معًا.