مقالات

“على أبواب المنتدى.. مدَدْ” نحتاج التحول من مرحلة “عرض الأرقام إلى الإصلاح الحقيقي الملموس”.

شارك المقال:
“على أبواب المنتدى.. مدَدْ” نحتاج التحول من مرحلة “عرض الأرقام إلى الإصلاح الحقيقي الملموس”.

بقلم د يسري الشرقاوي 

تكثر الحوارات الوطنية والمنتديات والمؤتمرات، ويعقد مجلسا النواب والشيوخ جلساتهما، ولدينا عشرات اللقاءات والحوارات الوطنية والتوصيات، غير أن المواطن لا يزال ينتظر أن تترجم هذه اللقاءات إلى تحسن ملموس في معيشته. وعلى أبواب منتدى جديد نطلب ( المدد) و يُفترض أن يجمع هذا المنتدي بين الاستماع من الطرفين، الحكومة والشعب، يبقى الأمل أن يخرج هذه المرة بما يتجاوز الأرقام والتصريحات إلى إجراءات واضحة واقعية تمس حياة الناس.
ستعرض الحكومة المصرية مؤشرات كلية إيجابية: نموًا حقيقيًا بلغ 5.1% في السنة المالية 2025/2026، واحتياطيات دولية تجاوزت 54.5 مليار دولار، وتصنيفًا ائتمانيًا مستقرًا عند مستوى B من وكالتي ستاندرد آند بورز وفيتش. غير أن هذه التقارير، رغم أهميتها في قياس الاستقرار الكلي والتدفقات الخارجية، لا تعكس بالضرورة واقع الأسر التي تواجه تضخمًا مستمرًا وارتفاعًا في تكاليف المعيشة وتآكلًا في القوة الشرائية. ولا تعكس معاناة رجال الصناعة والزراعة والتصدير والخدمات ( اصحاب قطاعات الاقتصاد التقليدي الحقيقي ) ، الفجوة ليست في دقة الأرقام، بل في اختلاف المقياس؛ فما يُقاس على مستوى الدولة لا يصل دائمًا إلى معيشة الأسرة أو جودة حياتها اليومية.
يستمر التضخم، رغم تراجعه عن ذروته، عند متوسط يتراوح بين 13% و15% خلال عام 2026، وتتوقع الوكالات أن يتراوح بين 12.3% و12.9% في السنة المالية التالية. هذا المعدل يتجاوز نمو الأجور الاسمية في معظم القطاعات، فيتآكل الدخل الحقيقي للأسر التي تنفق نسبة كبيرة من ميزانيتها على الغذاء والطاقة والنقل. وتظل تعديلات الدعم ورفع أسعار الوقود، رغم ضرورتها للانضباط المالي، تنعكس مباشرة على التكاليف اليومية، بينما يتركز النمو الحالي في قطاعات محددة كالسياحة والصناعات التحويلية الموجهة للتصدير وقناة السويس، دون توسع مماثل في فرص العمل الرسمية أو تحسن الأجور في القطاعات كثيفة العمالة.
يُثقل عبء خدمة الدين العام الموازنة، إذ يستهلك حصة مرتفعة من الإيرادات. والفائض الأولي البالغ 4.9% من الناتج يعكس انضباطًا ماليًا، لكنه يتحقق جزئيًا عبر خفض الدعم، ما يضيق المساحة المتاحة للإنفاق الاجتماعي المباشر. واستقرار سعر الصرف عند مستويات أعلى يحمي الاحتياطيات ويجذب تدفقات، لكنه يرفع تكلفة السلع المستوردة، فتتحمل الأسر محدودة ومتوسطة الدخل أثر الأسعار دون أن تستفيد مباشرة من تحسن الحساب الجاري.
غير أن التحدي الأعمق لا يكمن في المؤشرات الخارجية، بل في ما يحدث داخل الجهاز الإداري للدولة. يظل الإنفاق غير المنتج بارزًا، سواء في مشاريع ومناسبات تستهلك موارد كبيرة، أو في تضخم انفاق الجهاز الإداري والامتيازات غير الضرورية. ويضاف إلى ذلك ما يشكله الفساد الإداري والبطانات وتأخير مصالح الناس وتغليب المصالح الخاصة على العامة من تهديد حقيقي. فالمسؤول الذي لا يقدر مسؤوليته، والتعقيد الذي يعطل المواطن، يضعفان الثقة أكثر مما تفعله الضغوط الخارجية. وقد أثبتت التجربة أن تماسك الجبهة الداخلية وقدرة الدولة على ضبط نفسها أصعب وأكثر تأثيرًا من مواجهة أي تحدٍ خارجي.
إن الهموم المعيشية يمكن أن تتراجع إذا أُطلق مشروع وطني جاد لإعادة هيكلة الجهاز الإداري كاملاً شكلا وموضوعاً اداريا وتشريعياً وتطهير الدولة من بؤر تمارس الفساد الداخلي. عندئذ يلتئم الشعب بكل فئاته وطوائفه مع قيادته التي استطاعت أن تضع حدًا للفاشية الدينية وأن تضبط ممارسات الرأسمالية المتوحشة. وعليها ان تستكمل المسيرة بمواجهة قصور الاداء الحكومي اليومي في التعاطي مع امور المواطن ، ويتطلب ذلك ايضاً الحزم مع الخارجين على القانون والفاسدين والمرتشين، وتطهير الغرف التشريعية ممن يمثلون نموذج صارخا لزواج السلطة بالمال ويفتقدون بذلك اهلية التشريع والرقابة ولا ينتمون الي المصلحة العامة، والاهتمام بالصحة العامة للمواطن لمن لا يستطيع تحمل تكلفتها، وبالتعليم العام الذي يربط الطالب بالواقع والمهارة، لا بالتعليم النظري الاستثماري المنفصل عن سوق العمل. كما يتطلب تعزيز الحماية الاجتماعية للأسر الأكثر احتياجًا، وتفعيل أدوات الرقابة، وإعادة الانضباط إلى الشارع والمؤسسات.
الشعب لا ينتظر مزيدًا من العروض التقديمية والمؤشرات الرقمية. هو يريد حياة كريمة حقيقية، والمستثمر المحلي والاجنبي يريد حلول صادقة واقعية وجداول انجاز و وعود بتوقيتات زمنية وعقاب رادع لكل مقصر في حينه حتي يستطيع الجميع قضاء مصالحه بيسر، وخدمات عامة تعمل. والشعب الذي عبر القناة وحطم خط بارليف في نهار رمضان، وقضى على الفاشية الدينية، وحافظ على بلده في أوقات الشدة، لا يُخشى عليه من عدو خارجي طالما اعتُني به داخليًا. فمواجهة أي تحدٍ خارجي، سواء كان متعلقًا بإسرائيل أو بغيرها، تبدأ من القضاء على الفساد الإداري، وتطهير البطانات، ومكافحة الرشوة والمحسوبية، وتطهير المؤسسات التشريعية، وتفعيل الرقابة، وإعادة النظام والانضباط والايمان بتعددية الاجيال وتوارد الاجيال في كافة القطاعات بما فيها المجتمع المدني حتي نتخلص من عمق الدولة وقواعد المحسوبية.
لسد الفجوة بين الأرقام والواقع، يجب ربط النمو بسياسات أجور ترتفع بما يتجاوز التضخم، وتوسيع الدعم النقدي المشروط والموجه، وإعادة توجيه جزء من الإنفاق غير المنتج نحو الصحة والتعليم والنقل العام، وخلق فرص عمل في القطاعات كثيفة العمالة. والأهم من ذلك كله، أن يصبح الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد مشروعًا قوميًا يُقاس نجاحه بمدى تحسن حياة المواطن العادي، لا بتقارير الاستقرار الكلي وحدها. عندئذ فقط تتحول الأرقام المشرقة إلى واقع يعيشه الناس، ويصبح التماسك الداخلي هو الضمان الحقيقي لأي قوة خارجية، وهنا اقول نعم ان هذه الممارسات الجادة هي المدد الذي نتمناه علي ابواب المنتدي حتي نكمل المسيرة بسلام.

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀