مقالات

حلم العملة الإفريقية الموحدة»

شارك المقال:
حلم العملة الإفريقية الموحدة»

«حلم العملة الإفريقية الموحدة»

 رامي زهدي— خبير الشؤون الإفريقية
ليست فكرة العملة الإفريقية الموحدة وليدة اللحظة، ولا نزوة فكرية عابرة في أروقة الاتحاد الإفريقي، بل هي حلم قديم يسكن الخيال السياسي والاقتصادي للقارة منذ لحظة الوعي الأولى بأن الاستقلال السياسي من دون استقلال نقدي واقتصادي كامل يظل استقلالا منقوصا، هش الأساس، سريع التآكل أمام ضغوط الخارج واختلالات الداخل، هذا الحلم الذي تكرر حضوره في خطابات القادة الأفارقة منذ ستينيات القرن الماضي، عاد اليوم إلى الواجهة بقوة، مدفوعا بتحولات دولية عميقة، واضطرابات نقدية عالمية، واهتزاز الثقة في النظام المالي الدولي القائم على هيمنة عملات بعينها، وفي مقدمتها الدولار الأمريكي.
القارة الإفريقية، التي تضم اليوم 54 دولة، ويقترب تعداد سكانها من 1.4 مليار نسمة، وتنتج ناتجا محليا إجماليا يتجاوز 3.1 تريليون دولار وفق تقديرات 2024، ما زالت تتعامل في تجارتها البينية والخارجية بأكثر من 40 عملة وطنية، إلى جانب الاعتماد شبه الكلي على العملات الأجنبية في التسعير، والتمويل، والاحتياطات، وهو واقع يفرض كلفة خفية هائلة على الاقتصادات الإفريقية، تتجلى في ارتفاع مخاطر سعر الصرف، وزيادة كلفة المعاملات، واستنزاف الاحتياطيات، وتآكل السيادة الاقتصادية.
وتشير تقديرات البنك الإفريقي للتنمية إلى أن تقلبات أسعار الصرف تكلف الاقتصادات الإفريقية ما بين 3 إلى 5 في المئة من ناتجها المحلي سنويا، وهي خسارة صامتة لا تظهر في العناوين لكنها تنخر في عمق القدرة التنموية للقارة.
في هذا السياق، تبدو العملة الإفريقية الموحدة كفكرة جذابة حد الإغراء، باعتبارها أداة محتملة لتوحيد السوق، وتعزيز التجارة البينية، وتقليص الاعتماد على الخارج، وبناء ثقل نقدي قادر على التفاوض من موقع قوة في النظام المالي العالمي.
فالتجارة البينية الإفريقية، رغم إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ما زالت لا تتجاوز 15 إلى 17 في المئة من إجمالي تجارة القارة، مقارنة بأكثر من 60 في المئة في الاتحاد الأوروبي، ونحو 50 في المئة في آسيا، وأحد الأسباب الجوهرية لهذا الضعف هو تعدد العملات، وغياب آليات تسوية فعالة، والاعتماد على عملات وسيطة في المبادلات بين دول إفريقية يفترض أنها تنتمي إلى فضاء اقتصادي واحد.
غير أن الحلم، مهما بلغت جاذبيته، يصطدم بواقع معقد شديد التباين، فالقارة الإفريقية ليست كتلة اقتصادية متجانسة، بل فسيفساء من الاقتصادات المتفاوتة في الحجم، والهيكل، ومستوى التنمية، والانضباط المالي، فهناك دول تعتمد على تصدير النفط والمعادن، وأخرى تقوم على الزراعة، وثالثة على الخدمات، مع فجوات هائلة في معدلات التضخم، والعجز المالي، والدين العام، ففي حين تسجل بعض الدول معدلات تضخم أحادية الرقم، تعاني دول أخرى من تضخم يتجاوز 30 و40 في المئة، بل يصل في حالات استثنائية إلى مستويات مفرطة تقوض أي استقرار نقدي، كما تتراوح نسب الدين العام إلى الناتج المحلي بين أقل من 40 في المئة في بعض الاقتصادات، وأكثر من 100 في المئة في أخرى، وهو تفاوت يجعل توحيد السياسة النقدية تحديا بالغ الحساسية.
التجربة الأوروبية، التي كثيرا ما تستدعى كنموذج، تقدم دروسا قاسية بقدر ما تقدم إلهاما، فاليورو لم يولد فجأة، بل سبقته عقود من التنسيق المالي، والتقارب الاقتصادي، وبناء مؤسسات قوية، ومع ذلك، واجه أزمات عميقة كادت تعصف بالمنظومة بأكملها، كما حدث خلال أزمة الديون السيادية في اليونان وإيطاليا وإسبانيا، وإذا كان الاتحاد الأوروبي، بإمكاناته المؤسسية والمالية الهائلة، قد عانى كل ذلك، فكيف بقارة لا تزال مؤسساتها القارية في طور التشكيل، وتعاني العديد من دولها من هشاشة سياسية وأمنية مزمنة؟
الأمر لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بطبيعة الدولة الإفريقية نفسها، فالعملة الموحدة ليست مجرد ورقة نقدية أو وحدة حسابية، بل تعبير مكثف عن الثقة، والانضباط، والقدرة على الالتزام الجماعي بقواعد صارمة، وهو ما يستدعي تنازلات سيادية مؤلمة في بعض الأحيان، وهل الدول الإفريقية، في ظل أولوياتها الوطنية الضاغطة، مستعدة للتنازل عن أدواتها النقدية لصالح سلطة نقدية قارية؟ وهل تمتلك البنوك المركزية الإفريقية قدرا كافيا من الاستقلالية والمهنية يسمح بدمجها في منظومة واحدة دون تسييس أو اختلال؟
ورغم هذه التحديات، فإن تجاهل الحلم أو دفنه بدعوى الواقعية قد يكون خطأ استراتيجيا، فالعالم يتغير، والنظام النقدي الدولي يشهد إعادة تشكيل بطيئة لكنها عميقة، حيث تزايد الحديث عن التكتلات النقدية، والاعتماد المتبادل بين العملات، والبحث عن بدائل للدولار في التسويات الدولية، وذلك يفتح نافذة تاريخية أمام إفريقيا إن أحسنت قراءة اللحظة، وقد بدأت بالفعل خطوات تمهيدية ذكية، مثل إطلاق نظام الدفع والتسوية الإفريقي PAPSS، الذي يتيح إجراء المعاملات التجارية بين الدول الإفريقية بالعملات المحلية دون المرور بعملات أجنبية، وهو نظام خفض بالفعل كلفة التحويلات، وقلص زمن التسوية، ويمثل نواة عملية لما يمكن أن يكون مستقبلا إطارا نقديا إفريقيا أكثر تكاملا.
الطريق الواقعي نحو العملة الإفريقية الموحدة لا يمر عبر القفزات الكبرى، بل عبر مراحل مدروسة، تبدأ بتعميق التكامل الإقليمي، وتعزيز الاتحادات النقدية القائمة، مثل اتحاد غرب إفريقيا النقدي، ومجموعة شرق إفريقيا، مع التركيز على تحقيق معايير تقارب حقيقية في التضخم، والعجز، والدين، وبناء آليات إنذار مبكر للأزمات، كما يتطلب الأمر استثمارا ضخما في البيانات، والشفافية، وبناء القدرات المؤسسية، لأن العملة الموحدة لا تعيش على الشعارات، بل على الثقة التي تصنعها الأرقام الصادقة والمؤسسات القادرة.
من زاوية مصرية، فإن التعامل مع هذا الملف يجب أن يكون بعين استراتيجية بعيدة المدى، مصر، بثقلها السكاني، وموقعها الجغرافي، وقدراتها المؤسسية، يمكن أن تلعب دورا محوريا في تشكيل النقاش الإفريقي حول التكامل النقدي، ليس من موقع الاندفاع، بل من موقع العقلانية والخبرة، فمصر ليست مطالبة بالترويج العاطفي لفكرة العملة الموحدة، بقدر ما هي مدعوة للمساهمة في بناء شروطها الموضوعية، عبر دعم مشروعات البنية التحتية المالية، وتعزيز التجارة البينية، ونقل الخبرات المصرفية، والمشاركة الفاعلة في تصميم النظم القارية البديلة.
في النهاية، يظل حلم العملة الإفريقية الموحدة معلقا بين طموح مشروع وواقع معقد، هو حلم يستحق أن يبقى حيا، لا بوصفه وعدا سريعا بالخلاص، بل كأفق استراتيجي طويل النفس، يتطلب صبرا، وتدرجا، وشجاعة سياسية، ووعيا بأن السيادة الحقيقية في عالم اليوم لم تعد تعني الانغلاق، بل القدرة على الاندماج الذكي في تكتلات تحمي المصالح وتعظم الفرص، إفريقيا لا تحتاج إلى عملة موحدة غدا، لكنها تحتاج اليوم إلى أن تسير في الاتجاه الذي يجعل هذا الحلم ممكنا حين يحين أوانه.
مؤتمر التامين

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀