بقلم د. مهندس مدحت حسن
رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات إيجي ميكس للتطوير والتنمية
هناك أيام لا تمر في عمر الأوطان كما تمر بقية الأيام.
أيام تظل حاضرة في الذاكرة، لا لأنها جزء من التاريخ فحسب، وإنما لأنها تصبح جزءًا من وجدان أجيال كاملة، وتتحول مع مرور الزمن من واقعة عسكرية إلى معنى، ومن معركة إلى قيمة، ومن ذكرى إلى مسؤولية.
ومن بين تلك الأيام يقف السادس من أكتوبر عام 1973 شاهدًا على واحدة من أكثر الصفحات حضورًا في تاريخ مصر الحديث.
في ذلك اليوم، لم يعبر الجندي المصري قناة السويس وحدها.
لقد عبر حاجزًا من الألم، وعبر سنوات من الانتظار، وعبر المسافة الفاصلة بين الانكسار واستعادة الثقة، وبين الأرض التي ينتظرها الوطن والقدرة على استعادتها.
كان العبور ثمرة تخطيط وإعداد وتضحيات كبيرة، وتمكنت القوات المسلحة المصرية من عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف وإنشاء رؤوس كباري على الضفة الشرقية، في واحدة من أبرز عمليات حرب أكتوبر. وتؤكد وثائق القوات المسلحة المصرية أن التخطيط للحرب قام على إعداد استراتيجي وعسكري دقيق وتنسيق واسع بين مختلف عناصر القوات المسلحة.
لكن قيمة أكتوبر لا تختصرها خرائط العمليات العسكرية، ولا يمكن أن تختزل في صورة دبابة تعبر أو علم يرتفع فوق الضفة الشرقية.
القيمة الأعمق كانت في الإنسان المصري.
ذلك الجندي الذي عرف أن الطريق إلى الوطن قد يمر عبر التضحية، وأن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، وإنما ذاكرة وكرامة وهوية ومستقبل.
ومن أجل ذلك، دفع رجال من أبناء مصر حياتهم ثمنًا لما كان يجب أن يبقى لأبنائهم من بعدهم.
لم يكن الشهيد في أكتوبر يسأل كيف سيعيش هو بعد الحرب، لأنه كان يعرف أن هناك أجيالًا أخرى يجب أن تعيش.
كان يفكر في وطن سيبقى بعده.
في بيت سيظل قائمًا.
في طفل سيكبر دون أن يعرف مرارة الاحتلال.
وفي مستقبل يستحق أن يُمنح له الطريق.
وهنا تحديدًا يصبح أكتوبر أكبر من مناسبة وطنية.
يصبح عهدًا بين الأجيال.
جيل قدّم حياته كي يحفظ الوطن، وجيل حمل مسؤولية استعادة الأرض وبناء السلام، وأجيال جاءت بعد ذلك لتتعلم أن حماية الوطن لا تكون بالسلاح وحده، وأن بناء الدولة امتداد طبيعي لمعنى التضحية.
لقد أثبت التاريخ المصري أن حماية الوطن لها أكثر من صورة.
هناك من يحميه على الجبهة، وهناك من يحميه بالعلم، وهناك من يحميه بالعمل، وهناك من يحميه بالإنتاج، وهناك من يحميه بأن يبني بدلًا من أن يهدم، وأن يزرع بدلًا من أن يترك الأرض، وأن يصنع فرصة جديدة لأبنائه بدلًا من أن ينتظرها.
ولهذا فإن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يكون مجرد استدعاء للماضي، بل يجب أن يكون سؤالًا دائمًا للمستقبل:
ماذا نفعل نحن بالوطن الذي ضحى من أجله السابقون؟
ماذا سنترك للأبناء؟
وماذا سيقول عنا من سيأتي بعدنا؟
لقد جاءت أجيال بعد أكتوبر لتعيش سنوات طويلة من السلام، ولترى مصر وهي تواجه تحديات إقليمية ودولية متغيرة، والمنطقة والعالم من حولها يشهدان حروبًا وصراعات وأزمات متلاحقة.
وفي هذا السياق، أصبحت حماية الأمن القومي والاستقرار والحفاظ على قدرة الدولة على الاستمرار في البناء والتنمية جزءًا أساسيًا من مسؤولية مؤسسات الدولة.
وإستنادآ لخطاب سيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى ذكرى إنتصارات أكتوبر عام 2025، وصف سيادته أن السادس من أكتوبر هو يوم خالد في تاريخ ووجدان مصر، واستحضر دور الرئيس الراحل محمد أنور السادات في قيادة البلاد نحو النصر والسلام.
كما تؤكد الرئاسة المصرية في بياناتها الحديثة أن حماية الأمن القومي ومواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية والدولية تتوازى مع استمرار خطط التنمية والمشروعات القومية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
وهنا نصل إلى المعنى الذي نراه نحن في شركة إيجي ميكس للتطوير والتنمية.
نحن نؤمن أن الوطن لا يُخدم بالكلمات وحدها.
الكلمة الطيبة مهمة، والوفاء للتاريخ واجب، لكن القيمة الحقيقية لأي كلمة وطنية تبدأ عندما تتحول إلى عمل.
فالذين ضحوا في أكتوبر لم يتركوا لنا مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما تركوا لنا وطنًا ومسؤولية.
ومن هنا جاءت رؤيتنا في إيجي ميكس.
أن يكون العمل جزءًا من واجبنا تجاه المجتمع.
أن يكون الاستثمار مرتبطًا بالتنمية.
وأن تتحول الأرض من مجرد مساحة إلى مشروع منتج، ومن مشروع إلى فرصة، ومن فرصة إلى قيمة مضافة تعود بالنفع على الإنسان والمجتمع.
إن العمل في مجالات التنمية الزراعية واستصلاح الأراضي والمشروعات الاستثمارية وتنمية الثروة الحيوانية والسمكية وغيرها من مجالات التنمية ليس منفصلًا عن فكرة بناء الوطن، بل هو أحد أشكالها المدنية.
فالأرض التي تُستصلح، والمشروع الذي يُقام، والفرصة التي تُخلق، والعامل الذي يجد مصدر رزقه، والأسرة التي ترى مستقبلًا أكثر استقرارًا لأبنائها، كلها حلقات في سلسلة واحدة اسمها التنمية.
ومن هذا المنطلق، تأتي رؤية الدكتور المهندس مدحت حسن، رئيس مجلس إدارة إيجي ميكس للتطوير والتنمية، التي تقوم على أن استمرار المؤسسة لا يقاس فقط بعدد السنوات التي مرت عليها، وإنما بما تركته من أثر خلال هذه السنوات.
فمنذ عام 1995، ارتبط اسم إيجي ميكس بمجالات الاستثمار والمشروعات والتنمية، ومع مرور أكثر من ثلاثة عقود أصبحت الخبرة بالنسبة لنا ليست رقمًا نضعه في مقدمة التعريف بالشركة، وإنما مسؤولية تفرض علينا أن نحافظ على ما بُني، وأن نطوّر ما يمكن تطويره، وأن ننظر دائمًا إلى الخطوة التالية.
ثلاثة عقود علمتنا أن النجاح الحقيقي ليس في أن تبدأ مشروعًا، وإنما في أن تستمر.
ليس في أن تعد، وإنما في أن تنفذ.
ليس في أن تتحدث عن المستقبل، وإنما في أن تترك له شيئًا حقيقيًا.
وهذه هي المسافة التي نحاول أن نقطعها كل يوم.
مسافة بين الفكرة والتنفيذ.
بين الأرض والتنمية.
بين الاستثمار والقيمة.
وبين ما نطمح إليه وما نستطيع أن نتركه للأجيال القادمة.
وفي زمن تتغير فيه خريطة العالم بسرعة، وتتعاظم فيه التحديات الاقتصادية والسياسية والبيئية، يصبح الحفاظ على مصر قوية ومستقرة وقادرة على مواصلة البناء مسؤولية مشتركة بين الدولة ومؤسساتها الوطنية والقطاع الخاص والمجتمع بأكمله.
فالدولة تضع الرؤية وتتحمل مسؤوليات الأمن والاستقرار والبنية الأساسية، والمؤسسات الجادة عليها أن تقوم بدورها في الإنتاج والاستثمار والتنمية وخلق فرص العمل، والمواطن عليه أن يدرك أن الحفاظ على الوطن يبدأ أيضًا من إتقانه لعمله وحرصه على مجتمعه.
هكذا فقط تتحول ذكرى أكتوبر من احتفال بالماضي إلى مشروع للمستقبل.
فأكتوبر لم يكن فقط يومًا انتصر فيه المصريون في معركة.
كان يومًا أثبت أن الإرادة عندما تجتمع مع التخطيط والانضباط والتضحية تستطيع أن تغير واقعًا ظن البعض أنه لا يتغير.
واليوم، نحن أمام معارك من نوع آخر.
معركة التنمية.
معركة الإنتاج.
معركة الحفاظ على الأرض والمياه والموارد.
معركة بناء الإنسان.
ومعركة الحفاظ على استقرار الدولة في عالم شديد الاضطراب.
وهذه المعارك لا تحتاج إلى جنود يحملون السلاح فقط، وإنما تحتاج إلى كل مصري يحمل مسؤولية عمله، وكل مؤسسة تؤمن بأن نجاحها الحقيقي يجب أن يكون جزءًا من نجاح وطنها.
إننا في إيجي ميكس للتطوير والتنمية ننظر إلى مصر باعتبارها وطنًا يستحق أن نعمل من أجله كل يوم.
وننظر إلى ما قدمه رجال أكتوبر باعتباره أمانة لا يجوز أن تتحول إلى مجرد ذكرى.
فمن دفع دمه كي تبقى مصر، يستحق أن يرى أبناء مصر وهم يبنونها.
ومن عبر القناة من أجل أن تعود الأرض، يستحق أن يرى الأرض تُزرع وتُعمّر وتنتج.
ومن وقف على الجبهة ليحمي المستقبل، يستحق أن يرى المستقبل أكثر قدرة على حماية أبنائه.
ولهذا فإن رسالتنا ليست أن نقول إننا نحب الوطن، فالوطن أكبر من الكلمات.
رسالتنا أن نحاول أن نثبت هذا الحب بالعمل.
أن نعمل حين يكون العمل واجبًا.
أن نستمر حين يكون الاستمرار مسؤولية.
أن نشارك في التنمية حيث نستطيع.
وأن نترك للأجيال القادمة شيئًا يستحق أن يُبنى عليه.
وفي ذكرى أكتوبر، لا نملك إلا أن ننحني احترامًا أمام أرواح الرجال الذين صنعوا ذلك اليوم، وأن نوجه التحية إلى القوات المسلحة المصرية التي حملت مسؤولية الدفاع عن الوطن، وإلى كل من ساهم في استعادة الأرض وصون الدولة وبناء السلام.
ثم نلتفت إلى المستقبل.
لأن أفضل وفاء لمن رحلوا من أجل الوطن هو أن نحافظ على الوطن الذي رحلوا من أجله.
وأفضل تحية لأكتوبر ليست أن نتحدث عن النصر فقط، وإنما أن نواصل صناعة انتصارات جديدة في ميادين العمل والتنمية والإنتاج والعلم.
من قناة السويس بدأت حكاية عبور.
واليوم، يجب أن يستمر العبور.
عبور من ذكرى النصر إلى مسؤولية البناء.
ومن حماية الأرض إلى تعميرها.
ومن الأمان الذي صنعه الأبطال إلى مستقبل نحميه نحن بالعمل.
تلك هي الرسالة التي نؤمن بها في إيجي ميكس للتطوير والتنمية.
وتلك هي مسؤوليتنا أمام وطن أعطى أبناءه الكثير.
مصر التي عبرت في أكتوبر تستطيع أن تعبر كل تحدٍ حين تتوافر الإرادة والعمل والعلم والإخلاص.
ومصر التي حفظ أبناؤها أرضها بالدم، تستحق أن نحفظ مستقبلها بالعمل.
رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ مصر وشعبها، وحفظ قواتها المسلحة، ووفق كل يد تعمل بإخلاص من أجل أن تبقى راية هذا الوطن مرفوعة، وأن يظل المستقبل جديرًا بالتضحيات التي سبقتنا.