مقالات

بين الشعوب النظرية والشعوب التجريبية: لماذا تأخرنا وتقدّم غيرنا؟

شارك المقال:
بين الشعوب النظرية والشعوب التجريبية: لماذا تأخرنا وتقدّم غيرنا؟
 بين الشعوب النظرية والشعوب التجريبية: لماذا تأخرنا وتقدّم غيرنا؟
بقلم: د. حسام درويش
من الأسئلة التي تؤرق العقل العربي منذ عقود:
لماذا تقدمت أمم كثيرة وأصبحت قوى عظمى، بينما ما زلنا نحن نناقش أسباب التأخر؟
المشكلة ليست في نقص العقول، فالعقل العربي كان عبر التاريخ أحد أهم العقول التي ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية.
وليست المشكلة في نقص الفرص، فالعالم اليوم يفتح أبوابه لمن يملك القدرة على المبادرة والعمل.
المشكلة في الحقيقة تكمن في طريقة تعاملنا مع الفكرة.
فنحن في كثير من الأحيان نحول الفكرة إلى موضوع للنقاش والتحليل الطويل، بينما يحولها الآخرون إلى تجربة عملية تبدأ فورًا.
مثال من الواقع
أذكر قصة صديق لي تلخص هذه الفكرة بوضوح شديد.
جاءه مجموعة من المستثمرين الأجانب لصديقي فاروق بفكرة مشروع لمنتج معين.
كان المشروع مضمونًا إلى حد كبير، وقد أحضروا معهم دراسة سوق مبسطة، وكانوا مستعدين للتمويل الكامل، بينما سيكون دور صديقي أنه ابن البلد الذي يعرف السوق المحلي.
فرح صديقي كثيرًا، وانفرجت أساريره، لكنه قال لهم:
“أحتاج مهلة قصيرة لأعد دراسة جدوى شاملة.”
وافقوا فورًا، فهم الممولون، وهو صاحب المعرفة بالسوق.
بدأ صديقي العمل بحماس شديد.
راح يدرس السوق، ويجمع البيانات، ويكتب التقارير.
استشار محامين، واستشار محاسبين، واستشار أصحاب خبرات.
وكان يرسل إلى شركائه الأجانب كل يوم عشرات الأسئلة، وهم يجيبون عليها بكل تعاون.
مرت ستة أشهر…
وكان ما يزال يدرس.
تحولت دراسة الجدوى إلى ملف ضخم.
ثم إلى مئات الصفحات.
وبعد ما يقارب عامًا كاملًا، انتهى أخيرًا من إعداد دراسة جدوى ضخمة تقارب ثلاثمائة صفحة، أقرب إلى رسالة دكتوراه منها إلى دراسة مشروع.
ذهب إلى شركائه الأجانب بكل فخر ليقدم لهم العمل الكبير الذي أنجزه.
لكن المفاجأة كانت صادمة.
قالوا له بكل هدوء:
“نعتذر… لقد تعاقدنا مع شخص من دولة مجاورة لبلدك.”
لقد بدأ المشروع بالفعل هناك.
الدرس القاسي
صديقي لم يكن أقل ذكاءً من غيره.
بل ربما كان أكثر حرصًا ودقة.
لكن الفرق كان بسيطًا جدًا:
هو كان يدرس المشروع… بينما الآخر بدأ المشروع.
هو كان يبحث عن الكمال…
بينما الآخر كان يبحث عن البداية.
الفارق بين ثقافتين
هناك ثقافة تقول:
لن نبدأ حتى نفهم كل شيء.
وهناك ثقافة أخرى تقول:
لن نفهم كل شيء حتى نبدأ.
الثقافة الأولى قد تنتج دراسات عظيمة…
لكنها كثيرًا ما تضيع الفرص.
أما الثقافة الثانية فتنتج أخطاء كثيرة…
لكنها في النهاية تنتج خبرة، وصناعة، وقوة اقتصادية.
لماذا تتقدم الأمم؟
الأمم لا تتقدم لأنها تفكر فقط.
ولا لأنها تعمل فقط.
بل لأنها تعرف متى تفكر… ومتى تبدأ.
فالفكرة العظيمة التي تبقى في الأدراج لا تغير العالم.
لكن الفكرة البسيطة التي تتحول إلى تجربة قد تصنع صناعة كاملة.
الخلاصة:
العالم لا ينتظر من يكتب أفضل دراسة…
العالم ينتظر من يبدأ أولًا.
فالحضارات لا تبنى بالأفكار وحدها،
بل تبنى عندما تتحول الأفكار إلى خطوة… ثم تجربة… ثم إنجاز.
مغزى هذه القصة بسيط لكنه عميق الدلالة.
فالمشكلة لم تكن في نقص الذكاء، ولا في ضعف الدراسة، بل في تأخر القرار.
لقد ظن صديقي أن مزيدًا من التحليل سيقوده إلى مزيد من الأمان، لكنه لم يدرك أن الفرص في عالم الأعمال لا تنتظر من يكتب أفضل دراسة، بل تنتظر من يملك شجاعة البدء.
في عالم سريع الحركة، قد تكون الدراسة ضرورية، لكن الإفراط فيها قد يتحول إلى عائق أمام الفعل.
فبينما كنا نبحث عن الكمال، كان غيرنا يبحث عن البداية.
ولهذا فإن الدرس الحقيقي ليس أن نتوقف عن التفكير، بل أن نتعلم متى نغلق دفتر الدراسات… ونفتح باب التنفيذ.
فالأمم التي تصنع المستقبل ليست تلك التي تكتب أطول الدراسات، بل تلك التي تحول الفكرة إلى تجربة، والتجربة إلى إنجاز، والإنجاز إلى قوة حضارية.
مؤتمر التامين

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀