«مصر ومبادرات السلم والأمن في إفريقيا»
“من هندسة الاستقرار إلى صناعة المستقبل القاري”
رامي زهدي — خبير الشؤون الإفريقية
حين نتحدث عن السلم والأمن في إفريقيا فإننا لا نتناول ملفا قطاعيا معزولا، بل نقترب من صميم معادلة الدولة والتنمية والشرعية في آن واحد.
فالقارة التي تضم اليوم 54 دولة ويزيد عدد سكانها على 1.4 مليار نسمة، تواجه طيفا معقدا من التحديات الأمنية، من النزاعات المسلحة الداخلية إلى الإرهاب العابر للحدود، ومن الجريمة المنظمة إلى القرصنة، ومن الانقلابات العسكرية إلى هشاشة مؤسسات الدولة في بعض الأقاليم. وفي هذا السياق المتشابك، يبرز الدور المصري باعتباره أحد أعمدة التوازن والاستقرار، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل بحكم التاريخ والقدرة المؤسسية ورؤية الدولة.
تشير بيانات الاتحاد الإفريقي إلى أن أكثر من 20 دولة إفريقية شهدت خلال العقدين الأخيرين نزاعات مسلحة بدرجات متفاوتة، بينما قدرت تقارير دولية أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الصراعات في القارة تتجاوز 15 مليار دولار سنويا.
كما يعيش ما يزيد على 40 مليون إفريقي في أوضاع نزوح داخلي أو لجوء نتيجة النزاعات والكوارث المرتبطة بها.
وهذه الأرقام تكشف أن قضية السلم والأمن ليست مسألة نخبوية، بل شرطا لازما لأي مشروع تنموي أو تكاملي، سواء في إطار أجندة 2063 للاتحاد الإفريقي أو في إطار منطقة التجارة الحرة القارية التي دخلت حيز التنفيذ في 2021.
الدور المصري في هذا المجال لم يكن طارئا أو ظرفيا، بل تأسس على رؤية استراتيجية تعتبر أن استقرار إفريقيا امتداد مباشر للأمن القومي المصري.
فمنذ عقود، شاركت مصر بفاعلية في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في القارة، حيث تعد من أكبر الدول المساهمة بقوات شرطية وعسكرية في بعثات حفظ السلام، وشاركت في مهام بجنوب السودان والكونغو الديمقراطية ودارفور وغيرها، وهذه المشاركة ليست مجرد حضور رمزي، بل تعكس التزاما ميدانيا بتحمل أعباء الاستقرار.
على المستوى المؤسسي، لعبت مصر دورا محوريا داخل مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، سواء خلال عضويتها المتكررة أو خلال رئاستها للاتحاد الإفريقي في 2019 والأن في فبراير 2026، وخلال تلك الفترة والأن، دفعت القاهرة بقوة نحو تعزيز مقاربة شاملة تربط بين الأمن والتنمية، معتبرة أن المعالجة العسكرية وحدها لا تكفي، وأن جذور التطرف والنزاع غالبا ما ترتبط بالتهميش الاقتصادي وضعف مؤسسات الدولة وغياب العدالة الاجتماعية.
هذا الطرح المصري انسجم مع التحولات الدولية التي باتت تتبنى مفهوم الأمن الإنساني كإطار أوسع من المفهوم التقليدي للأمن.
في منطقة الساحل والصحراء، حيث تنشط جماعات إرهابية عابرة للحدود مستفيدة من هشاشة الجغرافيا وضعف الرقابة، دعمت مصر آليات التنسيق الأمني، وشاركت في مبادرات تدريب وبناء قدرات الكوادر الأمنية الإفريقية، كما استضافت القاهرة العديد من الفعاليات والاجتماعات المعنية بمكافحة الإرهاب، مؤكدة أن المواجهة لا تقتصر على البعد الأمني، بل تشمل تجفيف منابع التمويل ومواجهة الخطاب المتطرف وتعزيز دور المؤسسات الدينية الوسطية، وفي هذا السياق، لعب الأزهر الشريف دورا مكملا عبر بعثاته التعليمية والفكرية التي استهدفت ترسيخ خطاب الاعتدال في عدد من الدول الإفريقية.
أما في منطقة القرن الإفريقي، التي تمثل أحد أكثر الأقاليم حساسية من الناحية الجيوسياسية، فقد حرصت مصر على دعم مسارات الحوار والتسوية السياسية، سواء في السودان أو جنوب السودان أو الصومال. ومع تعقد الأزمة السودانية الراهنة، برزت القاهرة كمنصة للحوار ومحاولة تقريب وجهات النظر، إدراكا منها بأن انفلات الوضع في السودان لا يؤثر فقط على الداخل السوداني، بل يمتد إلى أمن البحر الأحمر وحوض النيل واستقرار الإقليم بأكمله، وهنا يتضح البعد الاستراتيجي للدور المصري، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع حسابات الأمن المائي والأمن البحري.
في الإطار البحري، تكتسب مسألة أمن البحر الأحمر وخليج عدن أهمية خاصة، في ظل تزايد التهديدات المرتبطة بالقرصنة أو استهداف الممرات البحرية، حيث تمر عبر البحر الأحمر نسبة معتبرة من التجارة العالمية، ويعد قناة السويس أحد أهم الشرايين الاقتصادية الدولية، لذلك فإن أي اضطراب أمني في هذا الفضاء البحري ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري والعالمي، ومن هنا جاءت مبادرات تعزيز التعاون بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر، ودعم آليات التنسيق الأمني والاستخباراتي، كجزء من رؤية مصرية تعتبر أن الأمن البحري جزء لا يتجزأ من الأمن القاري.
اقتصاديا، لا يمكن فصل السلم والأمن عن جهود التنمية التي تقودها مصر في إفريقيا،فالشركات المصرية العاملة في مجالات البنية التحتية والطاقة والإسكان تنفذ مشروعات في عدد من الدول الإفريقية، ما يسهم في خلق فرص عمل وتحسين الخدمات وتقليص دوافع الاحتقان.
وتشير بيانات رسمية إلى أن حجم الاستثمارات المصرية في إفريقيا تجاوز عدة مليارات من الدولارات خلال السنوات الأخيرة، مع تركيز على قطاعات الطرق والكهرباء والإنشاءات، وهذا الحضور الاقتصادي يمثل بعدا وقائيا للأمن، إذ يربط الاستقرار بالمصلحة المشتركة.
من زاوية سياسية، تبنت مصر خطابا داعما لمبدأ الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية، وهو مبدأ يسعى إلى تعزيز ملكية الدول الإفريقية لملفاتها الأمنية بعيدا عن التدخلات الخارجية التي كثيرا ما عمقت الأزمات بدل حلها، وهذا لا يعني الانعزال عن الشراكات الدولية، بل يعني إعادة ضبط العلاقة بحيث تكون الأولوية للرؤية الإفريقية، وقد دعمت القاهرة إصلاح منظومة السلم والأمن في الاتحاد الإفريقي، بما في ذلك تفعيل القوة الإفريقية الجاهزة وتعزيز تمويل عمليات السلام عبر موارد إفريقية.
ولا يخلو المشهد من تحديات، فتصاعد الانقلابات في بعض دول غرب إفريقيا خلال الأعوام الأخيرة يعكس هشاشة بعض النظم السياسية، كما أن التنافس الدولي المتزايد على القارة يخلق ضغوطا إضافية على بنية الاستقرار. لكن مصر، بحكم ثقلها السياسي وموقعها الجغرافي وقدرتها المؤسسية، تظل قادرة على لعب دور الوسيط المتوازن، الذي يجمع بين الصرامة في الدفاع عن مبادئ الدولة الوطنية، والمرونة في إدارة التعقيدات الإقليمية.
وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من مصر تعميق ثلاثة مسارات متوازية، أولا، تعزيز الدبلوماسية الوقائية عبر تكثيف الحوار المبكر مع الدول المعرضة لمخاطر عدم الاستقرار، ثانيا، توسيع برامج بناء القدرات الأمنية والقضائية في الدول الإفريقية، بما يسهم في ترسيخ سيادة القانون، وثالثا، ربط مبادرات السلم بمشروعات تنموية عابرة للحدود، خاصة في مجالات الطاقة والربط الكهربائي والنقل، بحيث يصبح الاستقرار خيارا عقلانيا تدعمه المصالح الاقتصادية.
إن دور مصر في مبادرات السلم والأمن في إفريقيا ليس مجرد التزام أخلاقي أو امتداد تاريخي، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل مشترك، فإفريقيا التي تنعم بالاستقرار قادرة على أن تصبح أحد أقطاب الاقتصاد العالمي، وإفريقيا التي تستعيد عافيتها الأمنية ستفتح آفاقا أوسع للتكامل والتجارة والاستثمار، ومن هنا فإن الرهان الحقيقي ليس فقط على احتواء الأزمات، بل على تحويل السلم إلى قاعدة صلبة للتنمية، وتحويل الأمن إلى منصة انطلاق نحو قارة أكثر توازنا وعدلا وازدهارا.