“القارة الإفريقية، التي تضم نحو 18% من سكان العالم، لا تزال تستهلك أقل من 4% من إجمالي الطاقة العالمية”
“القارة يمكنها توليد أكثر من 10 تيراواط من الطاقة الشمسية”
رامي زهدي — خبير الشؤون الإفريقية
لم تعد قضية الطاقة النظيفة مجرد مسار بيئي اختياري تتبناه الدول المتقدمة لتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي، بل تحولت إلى معادلة جيوسياسية واقتصادية معقدة، تعاد فيها صياغة موازين القوى الدولية، وتُرسم من خلالها خرائط النفوذ في العقود القادمة، وفي قلب هذه المعادلة تقف إفريقيا، ليس كمتلقٍ سلبي لتحولات النظام الدولي، بل كفاعل صاعد يمتلك من المقومات ما يؤهله لأن يكون أحد أهم مراكز الثقل في اقتصاد الطاقة العالمي الجديد.
القارة الإفريقية، التي تضم نحو 18% من سكان العالم، لا تزال تستهلك أقل من 4% من إجمالي الطاقة العالمية، وهي مفارقة تعكس فجوة تنموية عميقة، لكنها في الوقت ذاته تفتح نافذة استراتيجية واسعة لإعادة بناء منظومة الطاقة من الأساس، دون الإرث الثقيل للبنية التقليدية القائمة على الوقود الأحفوري، هذه الميزة النسبية تضع إفريقيا في موقع فريد، حيث يمكنها القفز مباشرة إلى نماذج الطاقة النظيفة، متجاوزة مراحل طويلة من التحول التدريجي التي استغرقتها الدول الصناعية.
الأرقام هنا لا تكذب ولا تجامل؛ إفريقيا تمتلك ما يقرب من 60% من أفضل موارد الطاقة الشمسية غير المستغلة في العالم، بينما لا تتجاوز حصتها الحالية من القدرة المركبة للطاقة الشمسية 2% فقط من الإجمالي العالمي، كما تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن القارة يمكنها توليد أكثر من 10 تيراواط من الطاقة الشمسية، وهو رقم يفوق احتياجاتها الحالية بأضعاف مضاعفة، وفي مجال طاقة الرياح، تمتلك دول مثل مصر والمغرب وجنوب إفريقيا مواقع من بين الأفضل عالميا من حيث سرعة الرياح واستقرارها، مع إمكانات إنتاجية هائلة لم يتم استغلالها بعد بشكل كامل.
لكن القيمة الحقيقية لإفريقيا في معادلة الطاقة النظيفة لا تقتصر على مواردها الطبيعية، بل تمتد إلى ما تختزنه أرضها من معادن استراتيجية تمثل العمود الفقري لصناعات الطاقة الجديدة، فالقارة تنتج أكثر من 70% من الكوبالت العالمي، الذي يعد عنصرا أساسيا في صناعة البطاريات، كما تمتلك احتياطيات ضخمة من الليثيوم والمنجنيز والنحاس، وهي عناصر لا غنى عنها في تصنيع السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، هذه الحقيقة تجعل من إفريقيا شريكا لا يمكن تجاوزه في سلاسل القيمة العالمية للطاقة النظيفة، وتمنحها ورقة ضغط تفاوضية غير مسبوقة إذا ما أحسنت إدارتها.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وفرة الموارد، بل في القدرة على تحويل هذه الموارد إلى قيمة مضافة داخل القارة نفسها، فحتى الآن، يتم تصدير معظم هذه المعادن في صورتها الخام، ليعاد تصنيعها في مراكز صناعية خارج إفريقيا، ثم تعود إلى الأسواق الإفريقية في شكل منتجات نهائية بأسعار مرتفعة.
هذه الحلقة غير العادلة من سلاسل القيمة تمثل أحد أبرز مظاهر الاختلال الهيكلي في الاقتصاد الإفريقي، وتستدعي إعادة نظر جذرية في السياسات الصناعية والتجارية، بما يضمن توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة داخل القارة.
وفي هذا السياق، يبرز دور منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية كأداة استراتيجية يمكن أن تعيد تشكيل خريطة الإنتاج والتصنيع داخل إفريقيا.
فمن خلال سوق موحدة تضم أكثر من 1.3 مليار نسمة وناتج محلي إجمالي يتجاوز 3.4 تريليون دولار، يمكن خلق طلب داخلي كافٍ لدعم صناعات الطاقة النظيفة، وتحفيز الاستثمارات في مجالات مثل تصنيع الألواح الشمسية، وبطاريات التخزين، ومكونات محطات الرياح، كما أن تكامل الأسواق الإفريقية يمكن أن يقلل من تكاليف الإنتاج والنقل، ويعزز القدرة التنافسية للمنتجات الإفريقية على المستوى العالمي.
ولا يمكن الحديث عن دور إفريقيا في الطاقة النظيفة دون التوقف عند قضية التمويل، التي تمثل حجر الزاوية في أي تحول حقيقي، فبحسب تقديرات البنك الإفريقي للتنمية، تحتاج القارة إلى استثمارات سنوية تتجاوز 100 مليار دولار في قطاع الطاقة حتى عام 2030، في حين لا يتجاوز حجم التمويل الحالي نصف هذا الرقم، وهذه الفجوة التمويلية تعكس تحديات متعددة، من بينها ارتفاع تكلفة الاقتراض، وضعف التصنيف الائتماني لبعض الدول، وغياب الأطر التنظيمية المستقرة في بعض الأسواق.
إلا أن هذه التحديات ليست قدرا محتوما، بل يمكن التعامل معها من خلال أدوات مبتكرة، مثل التمويل المختلط الذي يجمع بين رأس المال العام والخاص، وإصدار السندات الخضراء، وتفعيل دور مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية.
كما أن الشراكات الاستراتيجية مع قوى اقتصادية كبرى، سواء من أوروبا أو آسيا أو دول الخليج، يمكن أن توفر مصادر تمويل وخبرات تقنية تسرع من وتيرة التحول.
وفي هذا الإطار، تبرز مصر كنموذج إقليمي يمكن البناء عليه، حيث نجحت خلال السنوات الماضية في تحقيق طفرة نوعية في قطاع الطاقة، خاصة في مجال الطاقة المتجددة، فقد ارتفعت نسبة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء المصري إلى نحو 20%، مع خطط للوصول إلى 42% بحلول عام 2030، كما أصبح مجمع بنبان للطاقة الشمسية في أسوان أحد أكبر المشروعات من نوعه في العالم، بقدرة إنتاجية تصل إلى نحو 1.6 جيجاواط، هذه التجربة تعكس قدرة الدول الإفريقية على تنفيذ مشروعات كبرى وفق معايير عالمية، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية.
لكن الدور المصري لا يجب أن يتوقف عند حدود النجاح الوطني، بل يمكن أن يمتد ليشمل نقل الخبرات وبناء القدرات في باقي دول القارة، في إطار رؤية أشمل لتعزيز التكامل الإفريقي في مجال الطاقة، وهنا تتقاطع المصالح الوطنية مع المسؤولية القارية، حيث يمكن لمصر أن تلعب دورا محوريا في ربط شبكات الكهرباء، وتطوير مشروعات إقليمية عابرة للحدود، تسهم في تحقيق الأمن الطاقي للقارة ككل.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الجيوسياسي لهذا التحول، حيث تتنافس القوى الكبرى على تأمين موطئ قدم لها في سوق الطاقة الإفريقية. فالاتحاد الأوروبي يسعى إلى تنويع مصادره بعيدا عن الاعتماد التقليدي، ويجد في إفريقيا شريكا طبيعيا، خاصة في مشروعات الهيدروجين الأخضر.
كما تتحرك الصين بخطى متسارعة لتعزيز حضورها من خلال الاستثمار في البنية التحتية ومشروعات الطاقة، بينما تحاول الولايات المتحدة إعادة صياغة استراتيجيتها في القارة لمواكبة هذا التنافس.
هذا التزاحم الدولي، رغم ما يحمله من فرص، ينطوي أيضا على مخاطر، إذا ما تم التعامل معه بمنطق التبعية أو التنافس الصفري.
المطلوب هنا هو تبني مقاربة إفريقية موحدة نسبيا، تقوم على تعظيم المصالح المشتركة، وفرض شروط عادلة لنقل التكنولوجيا، وبناء القدرات المحلية، وعدم الاكتفاء بدور المورد للمواد الخام أو السوق الاستهلاكية.
إن إفريقيا اليوم تقف أمام لحظة تاريخية فارقة، يمكن أن تعيد من خلالها تعريف موقعها في النظام الدولي، فبدلا من أن تكون هامشا في معادلات الطاقة التقليدية، يمكنها أن تصبح مركزا محوريا في اقتصاد الطاقة النظيفة، بما يحمله ذلك من فرص للنمو والتنمية وخلق فرص العمل، لكن تحقيق هذا الطموح يتطلب ما هو أكثر من الموارد الطبيعية؛ يتطلب رؤية استراتيجية واضحة، وإرادة سياسية صلبة، وقدرة على التنسيق الإقليمي، واستيعاب عميق لتعقيدات النظام العالمي.
وفي تقديري، فإن العقدين القادمين سيحددان بشكل كبير ما إذا كانت إفريقيا ستظل أسيرة لمعادلات التبعية التاريخية، أم أنها ستنجح في إعادة تموضعها كقوة فاعلة في الاقتصاد العالمي الجديد. والطاقة النظيفة، بكل ما تحمله من أبعاد اقتصادية وتقنية وبيئية، تمثل أحد أهم مفاتيح هذا التحول.