«الاستثمارات الخليجية في إفريقيا: شراكة استراتيجية أم هيمنة اقتصادية جديدة؟»
رامي زُهدي- خبير الشؤون الإفريقية والسياسية والاقتصادية – نائب رئيس حزب الوعي
في العقدين الأخيرين، تحولت القارة الإفريقية إلى ساحة استراتيجية يتقاطع فيها الطموح الدولي والإقليمي، وتبرز فيها أطراف جديدة تطمح إلى بناء نفوذ طويل المدى، اقتصاديًا وجيوسياسيًا. وبينما كانت الصين، وتركيا، والهند قد تقدّمت بمبادرات واضحة في هذا الاتجاه، ظهرت دول الخليج العربي، وفي مقدمتها السعودية، والإمارات، وقطر، كفاعلين اقتصاديين متزايدين في المشهد الإفريقي.
ولكن يبقى التساؤل قائمًا: هل هذه الاستثمارات تمثل شراكة استراتيجية من أجل التنمية، أم أنها تحمل في طياتها ملامح هيمنة اقتصادية جديدة؟
شهدت السنوات الأخيرة توسعًا واضحًا في الاستثمارات الخليجية داخل القارة الإفريقية، وقد شمل ذلك عدة قطاعات، منها قطاع الزراعة والأمن الغذائي، والذي اتضح كأحد أبرز القطاعات التي جذبت الاستثمارات الخليجية، خاصة في السودان، إثيوبيا، النيجر، كينيا وتنزانيا، حيث استثمرت الإمارات والسعودية في أراضٍ زراعية شاسعة، بهدف تأمين احتياجاتها المستقبلية من الغذاء.
أيضا، الطاقة والمعادن، فقد شملت استثمارات خليجية ضخمة مشاريع لاستخراج الذهب واليورانيوم والنحاس والليثيوم، خصوصًا في دول مثل مالي، النيجر، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، في ظل التوجه العالمي نحو الطاقة المتجددة والمعادن النادرة.
وكذلك في قطاع البنية التحتية والموانئ، حيث نفذت الإمارات علي سبيل المثال (عبر شركة موانئ دبي العالمية) مشاريع تطوير موانئ في الصومال، السنغال، وأنجولا. كما دخلت السعودية وقطر في مشاريع موانئ ومطارات وطرق برية.
ثم يأتي القطاع المالي والمصرفي، حيث أسست مصارف خليجية فروعًا لها في دول إفريقية عدة، وساهمت في تمويل مشاريع تنموية، أبرزها في رواندا، أوغندا، ونيجيريا.
وربما زاد من الامر وضوحاََ، توافر محفزات التوجه الخليجي نحو إفريقيا والتي دفعت دول الخليج الغنية للسعي نحو القارة الاكثر فقراََ ، ومن هذه المحفزات والدوافع، تأمين الغذاء والمياه لدول الخليج في ظل التغير المناخي،في وقت تمثل إفريقيا سلة غذاء واعدة في ظل تغيّر المناخ العالمي، وتمتلك القارة الإفريقية منفردة، نحو 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة عالميًا.
كذلك من الدوافع الخليجية المحفزة، توافر الفرص الاستثمارية في القارة الإفريقية في مقابل انخفاض العوائد بالأسواق الغربية، ففي الوقت الذي تتجه فيه الأسواق الغربية إلى التشبع أو الركود، تمثل إفريقيا بيئة خصبة للعوائد المرتفعة رغم التحديات.
وأيضا، البعد الجيوسياسي والتنافس مع قوى أخرى، فالتوسع الخليجي يحمل أهدافًا تتعدى الاقتصاد، مثل تقليص النفوذ الإيراني والتركي، وتقديم الخليج كفاعل متوازن وشريك تنموي بديل عن الصين وأوروبا او علي الأقل منافس لهما.
لكن، يبقي السؤال؛ هل نحن أمام شراكة أم هيمنة؟
من خلال الرصد والتحليل، يمكن تقسيم نماذج الاستثمارات الخليجية في إفريقيا إلى ثلاثة أنماط رئيسية، اولها، نمط الشراكة التنموية عبر مشاريع بنى تحتية، ودعم مالي وفني، ونقل تكنولوجيا إيجابي ومطلوب،
ثم النمط الثاني، وهو نمط الاستغلال الاقتصادي ، عبر استحواذ على أراضٍ، والتركيز على تصدير الخام، ويعيب ذلك غياب القيم المضافة المحلية وينذر هذا النمط بالتبعية الإقتصادية وربما السياسية،
ثم ثالثاََ وأخيراََ، نمط النفوذ السياسي، ويتم فيع تمويل أنظمة أو أطراف سياسية معينة، وتوظيف المال لشراء الولاءات،وهذا النمط يهدد الاستقرار المحلي ويعيد إنتاج النخب السلبية.
والسؤال الجوهري هنا: هل تتم هذه الاستثمارات وفقًا لأولويات التنمية الإفريقية؟ أم وفقًا لمصالح المستثمر وحده؟
“التحديات المرتبطة بالاستثمارات الخليجية في إفريقيا”
تحديات عدة تواجه الإستثمار الخليجي في القارة الإفريقية، فالطريق غير مفروش بالورود،
من ابرز التحديات، الافتقار للشفافية في العقود والاستثمارات، ففي كثير من الدول الإفريقية، تبرم صفقات استثمارية بعيدة عن رقابة البرلمانات أو مؤسسات المجتمع المدني.
وأيضل، تهميش المجتمعات المحلية، ففي مشاريع الاستحواذ على الأراضي الزراعية أحيانًا قد تنطوي على تهجير قسري أو تقليص حقّ المجتمعات في أراضيها التقليدية.
وكذلك، ندرة فرص التشغيل المحلي ونقل التكنولوجيا، حيث يلاحظ في بعض المشاريع تشغيل عمالة أجنبية ونقل أرباح دون استثمار فعلي في رأس المال البشري الإفريقي.
لكن بالتأكيد، يمكن تحويل الاستثمارات الخليجية إلى شراكة حقيقية مفيدة للدول والشعوب، ربما من خلال اشتراط نسب توظيف وتدريب للمواطنين الأفارقة
وتوجيه الاستثمارات نحو الصناعة التحويلية وليس فقط المواد الخام.
وكذلك إشراك الحكومات المحلية والمجتمع المدني في الرقابة على الاستثمارات.
إضافة إلي تشجيع الشراكات الثلاثية: (إفريقيا – الخليج – مصر) كنموذج إقليمي رائد، ممكن جدا ومرجح له النجاح والصمود في مواجهة اي تحديات.
وأيضا، تطوير آليات تمويل مستدامة تستند إلى أهداف التنمية الإفريقية 2063.
“دور مصر المحوري في هندسة الشراكة الخليجية الإفريقية”
في مصر، نمتلك مكانة فريدة تربط الخليج بإفريقيا عبر عدة محاور، منها الجغرافيا والدور المحوري في الكوميسا ومبادرة الحزام والطريق واتفاقية التجارة الحرة الإفريقية الشاملة، إضافة إلي الخبرة المصرية في تنفيذ المشاريع في القارة، مثل العاصمة الإدارية في تنزانيا، وشبكات الكهرباء في السودان، وغيرها.
وأيضا، القدرة على تقديم حلول فنية، هندسية، تدريبية وبشرية تلائم واقع إفريقيا.
وهنا يمكن لمصر أن تلعب دور “الوسيط التنموي” في هندسة شراكة خليجية إفريقية لا تقوم على الربح وحده، بل على تنمية مستدامة.
القارة الإفريقية لا ترفض الاستثمارات الخارجية، بل تسعى إليها. ولكنها ترفض أن تكون مجرد ساحة مفتوحة للاستغلال أو النفوذ.
وبينما تزداد حاجة الخليج العربي لإفريقيا، فإن القارة تحتاج إلى استثمارات عادلة، شفافة، منتجة، ومستدامة.
والمعادلة العادلةن التي تُنتج تنمية حقيقية تقوم على أساس شراكة تعاونية، لا هيمنة مصلحية.