العقارات

حامد الزلاط: مصر لم تعد تصدر مواد البناء فقط.. بل أصبحت قادرة على تصدير صناعة المقاولات والخبرة الهندسية

شارك المقال:
حامد الزلاط: مصر لم تعد تصدر مواد البناء فقط.. بل أصبحت قادرة على تصدير صناعة المقاولات والخبرة الهندسية
أكد حامد الزلاط، رئيس مجلس إدارة مجموعة الزلاط ورئيس مجلس إدارة شركة الزلاط للإنشاءات والمقاولات العامة، أن الطفرة العمرانية غير المسبوقة التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية لم تقتصر نتائجها على إنشاء مدن وطرق ومحاور وبنية أساسية جديدة، وإنما أسهمت في بناء قدرات تنفيذية وهندسية ضخمة داخل قطاع المقاولات المصري، وأهلت الشركات والمهندسين والفنيين المصريين للمنافسة على تنفيذ المشروعات الكبرى خارج الحدود.
وقال الزلاط إن مصر أمام فرصة حقيقية لتحويل صناعة المقاولات إلى صناعة تصديرية، خاصة في الأسواق الأفريقية والعربية التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الطرق والطاقة والمياه والإسكان والمدن الجديدة والموانئ وشبكات البنية الأساسية.
وأضاف:
«مصر لم تبنِ مدنًا وطرقًا فقط خلال السنوات الماضية؛ مصر بنت خبرة. وما تم توطينه من تكنولوجيا وقدرات هندسية وتنفيذية داخل السوق المصرية أصبح اليوم منتجًا يمكن تصديره إلى الخارج.»
الطفرة العمرانية صنعت جيلًا جديدًا من شركات المقاولات
وأوضح حامد الزلاط أن المشروعات الكبرى التي نفذتها مصر خلال السنوات الماضية وضعت شركات المقاولات والمهندسين المصريين أمام تحديات تنفيذية غير مسبوقة من حيث حجم الأعمال وسرعة التنفيذ وتنوع التخصصات والتكنولوجيا المستخدمة.
وأشار إلى أن تنفيذ العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة ومدن الجيل الرابع وشبكات الطرق والكباري والأنفاق ومحطات المياه والصرف والطاقة والمشروعات القومية الكبرى أدى إلى تراكم خبرات لم يكن من الممكن اكتسابها بنفس السرعة من خلال المشروعات التقليدية.
وقال:
«المقاول الذي نفذ مشروعًا ضخمًا داخل مصر أصبح لديه سابقة أعمال، والمهندس الذي تعامل مع مشروع بهذا الحجم اكتسب خبرة، والفني تطورت مهاراته، والمصنع رفع جودة إنتاجه، وشركات المعدات والنقل والخدمات طورت قدراتها. هذه المنظومة كلها أصبحت اليوم أكثر قدرة على العمل خارج مصر.»
وأضاف:
«أي دولة تريد تصدير صناعة المقاولات يجب أولًا أن تمتلك سوقًا محلية قوية تصنع الخبرة. والطفرة العمرانية المصرية خلال السنوات الماضية كانت بمثابة مدرسة عملية ضخمة للشركات والمهندسين والفنيين المصريين.»
من استيراد التكنولوجيا إلى توطينها ثم تصدير الخبرة
وأكد الزلاط أن أحد أهم المكاسب التي تحققت خلال هذه الفترة هو انتقال جانب من التكنولوجيا والخبرات الحديثة إلى السوق المصرية، سواء في نظم الإنشاء أو إدارة المشروعات أو البنية الأساسية أو الأنفاق أو الطاقة أو المدن الذكية أو المشروعات ذات الأحجام الكبيرة.
وقال:
«التكنولوجيا عندما تدخل السوق مرة، ويتدرب عليها المهندس والفني المصري، ويتعامل معها المقاول والمورد والمصنع، فإنها تتحول تدريجيًا من خبرة مستوردة إلى خبرة محلية. وبعد سنوات من التنفيذ تصبح لدينا القدرة على أخذ هذه الخبرة والعمل بها في دولة أخرى.»
وأضاف:
«وهنا تظهر القيمة الحقيقية للطفرة العمرانية؛ فالمشروع الذي تم تنفيذه داخل مصر انتهى كمنشأة، لكن الخبرة التي اكتسبها آلاف المهندسين والفنيين والشركات أثناء تنفيذه لم تنتهِ بانتهاء المشروع. هذه الخبرة أصبحت أصلًا اقتصاديًا يمكن تصديره مرارًا.»
سد جوليوس نيريري.. عندما تصدر مصر قدرتها الهندسية
وأشار حامد الزلاط إلى أن المشروعات التي تنفذها الشركات المصرية في القارة الأفريقية تقدم دليلًا عمليًا على قدرة قطاع المقاولات المصري على المنافسة خارج الحدود.
ويأتي في مقدمة هذه النماذج سد ومحطة جوليوس نيريري للطاقة الكهرومائية في تنزانيا، الذي نفذه تحالف مصري يضم المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، باستثمارات تقارب 2.9 مليار دولار، وبقدرة توليد تصل إلى 2,115 ميجاوات.
وقال الزلاط:
«عندما تستطيع شركات مصرية تنفيذ مشروع بهذا الحجم والتعقيد خارج مصر، فنحن لا نصدر مقاولًا فقط؛ نحن نصدر هندسة وإدارة مشروعات وتكنولوجيا وخبرة بشرية وقدرة على التنفيذ.»
وأضاف:
«مشروع جوليوس نيريري رسالة مهمة للأسواق الأفريقية بأن الشركة المصرية تستطيع أن تدخل مشروعًا استراتيجيًا ضخمًا وتتحمل مسؤولية تنفيذه وفق متطلبات فنية وهندسية معقدة.»
وأكد أن نجاح المشروعات المصرية الكبرى خارج الحدود يفتح الباب أمام شركات مصرية أخرى، لأن سمعة صناعة المقاولات في الخارج لا تبنيها شركة واحدة، وإنما يبنيها الأداء المتراكم لجميع الشركات التي تحمل اسم مصر في الأسواق الدولية.
أفريقيا سوق طبيعي للمقاولات المصرية
ويرى الزلاط أن القارة الأفريقية تمثل واحدة من أهم الفرص المستقبلية أمام صناعة المقاولات المصرية، في ظل احتياجات عدد كبير من الدول الأفريقية إلى تطوير شبكات الطرق والكهرباء والمياه والصرف والموانئ والإسكان والطاقة والبنية الأساسية.
وقال:
«أفريقيا ليست سوقًا بعيدة عن مصر؛ هي امتداد طبيعي لنا، ولدينا ميزة جغرافية وخبرات مناسبة لطبيعة الأسواق الأفريقية، بالإضافة إلى قدرة الشركات المصرية على تنفيذ المشروعات بتكلفة تنافسية.»
وأضاف أن المنافسة في أفريقيا يجب ألا تقتصر على الشركات الكبرى فقط، بل يمكن للشركات المتوسطة والمصانع وموردي مواد البناء المصريين الدخول ضمن تحالفات وسلاسل توريد تقودها الشركات المصرية الكبرى.
وقال:
«المطلوب ألا نصدر شركة مقاولات فقط، وإنما نصدر منظومة مصرية متكاملة: المقاول والاستشاري والمهندس ومواد البناء والكابلات والسيراميك والألومنيوم والأدوات الصحية والمعدات والخدمات.»
ليبيا.. فرصة ضخمة أمام الشركات المصرية
وأشار حامد الزلاط إلى أن السوق الليبية تمثل واحدة من أهم الفرص أمام شركات المقاولات المصرية، في ظل القرب الجغرافي وحجم الاحتياجات المتعلقة بإعادة الإعمار والبنية الأساسية والإسكان والطرق والمرافق.
وتشير البيانات المنشورة إلى أن الشركات المصرية نفذت مشروعات لإعادة الإعمار في ليبيا تجاوزت قيمتها 5 مليارات دولار، بالتوازي مع استمرار توقيع عقود جديدة لتنفيذ مشروعات بنية أساسية وتنمية في عدد من المدن الليبية.
وقال الزلاط:
«ليبيا بالنسبة للمقاولات المصرية ليست مجرد سوق خارجية؛ القرب الجغرافي والتشابه في ظروف التنفيذ وقدرة الشركات المصرية على تحريك العمالة والمعدات ومواد البناء يمنحنا ميزة تنافسية كبيرة.»
وأضاف:
«إعادة إعمار ليبيا يمكن أن تخلق سوقًا ضخمة للشركات المصرية لسنوات طويلة، ليس فقط لشركات المقاولات الكبرى، وإنما للمصانع والموردين والاستشاريين وشركات الخدمات والنقل والعمالة المصرية.»
العراق والشرق الأوسط.. الخبرة المصرية قادرة على المنافسة
وأكد الزلاط أن الفرصة لا تتوقف عند أفريقيا وليبيا، مشيرًا إلى أن أسواق الشرق الأوسط التي تشهد برامج للتنمية وإعادة الإعمار وتطوير البنية الأساسية يمكن أن تمثل مجالًا مهمًا لتوسع الشركات المصرية.
وقال:
«العراق ودول المنطقة لديها احتياجات كبيرة في الإسكان والطرق والمرافق والمدن والبنية الأساسية. والشركات المصرية أصبحت تمتلك سابقة أعمال وخبرات تجعلها قادرة على الدخول في تحالفات والمنافسة على هذه المشروعات.»
وأوضح أن المنافسة الخارجية لا تعتمد على السعر فقط، وإنما على القدرة على التمويل والضمانات وسرعة التنفيذ وإدارة المخاطر وتكوين التحالفات، وهي ملفات تحتاج إلى دعم مؤسسي حتى تستطيع الشركات المصرية زيادة حصتها في الأسواق الخارجية.
تصدير المقاولات يعني تصدير عشرات الصناعات معها
وشدد حامد الزلاط على أن أهمية تصدير المقاولات تتجاوز قيمة عقد المقاولة نفسه، لأن المقاول المصري عندما يحصل على مشروع في الخارج يستطيع أن يفتح الباب أمام سلسلة طويلة من المنتجات والخدمات المصرية.
وقال:
«إذا دخلت شركة مقاولات مصرية لتنفيذ مدينة أو طريق أو محطة في دولة أفريقية، فمن الطبيعي أن تتحرك خلفها شركات ومصانع مصرية. هنا يمكن أن نصدر الكابلات والسيراميك والرخام والجرانيت والألومنيوم والأدوات الصحية والدهانات ومواد العزل والمعدات وغيرها.»
وأضاف:
«لهذا السبب أعتبر تصدير المقاولات من أذكى أشكال التصدير؛ لأننا لا نصدر خدمة واحدة، وإنما نفتح سوقًا كاملة أمام مجموعة كبيرة من الصناعات المصرية.»
وأكد أن قطاع المقاولات يرتبط بأكثر من 100 صناعة وحرفة ونشاط مغذٍ ومكمل، وبالتالي فإن التوسع الخارجي لشركات المقاولات يمكن أن يتحول إلى بوابة لزيادة صادرات قطاعات صناعية عديدة.
المهندس المصري نفسه أصبح منتجًا تصديريًا
وأكد الزلاط أن أحد أهم الأصول التي صنعتها المشروعات الكبرى في مصر هو العنصر البشري.
وقال:
«لدينا جيل من المهندسين المصريين في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر شارك بالفعل في تنفيذ مشروعات ضخمة ومدن جديدة وطرق وأنفاق ومحطات ومرافق. هذه ثروة بشرية حقيقية.»
وأضاف:
«المهندس الذي أدار مشروعًا كبيرًا داخل مصر يستطيع أن يدير مشروعًا في أفريقيا أو الخليج أو العراق أو ليبيا. والفني الذي تعامل مع نظم تنفيذ حديثة يستطيع أن ينقل خبرته. نحن هنا لا نصدر عمالة فقط؛ نحن نصدر معرفة وخبرة وإدارة.»
وأشار إلى أن تصدير الخبرة الهندسية يحقق قيمة اقتصادية مزدوجة، من خلال جلب العملة الأجنبية، وفي الوقت نفسه توسيع حضور الشركات المصرية وإكساب الكوادر خبرات دولية إضافية.
المطلوب استراتيجية قومية لتصدير المقاولات
ودعا حامد الزلاط إلى التعامل مع تصدير المقاولات باعتباره صناعة تصديرية استراتيجية، وليس مجرد جهود منفردة تقوم بها كل شركة.
وقال:
«إذا كنا نضع مستهدفات لتصدير السلع، فيجب أن نضع أيضًا مستهدفات واضحة لتصدير المقاولات والخدمات الهندسية. لدينا منتج حقيقي أصبح قابلًا للمنافسة دوليًا، والمطلوب هو تنظيم عملية خروجه إلى الأسواق.»
وأوضح أن زيادة الحصة المصرية تتطلب منظومة متكاملة تشمل تسهيل الضمانات البنكية والتأمين على المشروعات الخارجية، وتوفير المعلومات عن المناقصات والفرص الاستثمارية، وتعزيز التعاون بين البنوك وشركات المقاولات والمصانع، وتكوين تحالفات مصرية قادرة على المنافسة على العقود الكبرى.
وأضاف:
«في كثير من المشروعات الدولية لا تكون المشكلة في قدرة الشركة على التنفيذ، وإنما في التمويل والضمانات وآليات المنافسة. إذا وفرنا للشركة المصرية أدوات مالية وتأمينية تنافس ما تحصل عليه الشركات الدولية، ستتغير قدرتها على دخول الأسواق بصورة كبيرة.»
من شركة مقاولات إلى سفير اقتصادي لمصر
وأكد الزلاط أن نجاح شركة مصرية في الخارج يحمل قيمة تتجاوز أرباح الشركة نفسها.
وقال:
«كل مشروع مصري ناجح خارج الحدود هو شهادة ثقة جديدة في الاقتصاد المصري وفي المهندس والعامل والمصنع المصري. الشركة التي تنفذ مشروعًا ناجحًا في دولة أفريقية تفتح الباب أمام الشركة التي ستأتي بعدها.»
وأضاف أن المقاولات يمكن أن تصبح إحدى أدوات القوة الاقتصادية المصرية في أفريقيا والشرق الأوسط، خاصة عندما يرتبط تنفيذ المشروعات بنقل المعرفة وتدريب العمالة المحلية وبناء علاقات اقتصادية طويلة الأجل مع الدول المضيفة.
حامد الزلاط: ما بنيناه في مصر يجب أن يتحول إلى صناعة نصدرها للعالم
واختتم حامد الزلاط تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تستثمر تراكم الخبرة الذي تحقق داخل السوق المصرية خلال السنوات الماضية.
وقال:
«الطفرة العمرانية في مصر لم تترك لنا مباني وطرقًا ومدنًا فقط؛ تركت لنا شركات أقوى، ومهندسين أكثر خبرة، وفنيين أكثر كفاءة، ومصانع أكثر تطورًا، وتكنولوجيا أصبحت موجودة داخل السوق المصرية.»
وأضاف:
«لقد دفعنا تكلفة اكتساب هذه الخبرة، واستثمرنا سنوات في بنائها، وبالتالي فإن الخطوة المنطقية الآن هي أن نحولها إلى صادرات وعقود وعملة أجنبية وأسواق جديدة للشركات المصرية.»
واختتم الزلاط:
«المستقبل ليس أن تبني الشركات المصرية داخل مصر فقط؛ المستقبل أن ترى اسم الشركة المصرية على سد في أفريقيا، وطريق في ليبيا، ومدينة في العراق، ومحطة في دولة عربية، ومشروع بنية أساسية في أي مكان في العالم.»
«لقد نجحت مصر في توطين جانب مهم من صناعة المقاولات وتكنولوجياتها، والمرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تصدير هذه الصناعة. فكل مشروع تنفذه شركة مصرية خارج الحدود لا يصدر الخرسانة والحديد فقط، وإنما يصدر اسم مصر، وخبرة مصر، وهندسة مصر، ويفتح خلفه سوقًا جديدة لعشرات الصناعات والمنتجات المصرية.»

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀