أكد حامد الزلاط، رئيس مجلس إدارة مجموعة الزلاط ورئيس مجلس إدارة شركة الزلاط للإنشاءات والمقاولات العامة، أن الطفرة التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية في مشروعات البنية التحتية والمدن الجديدة لم تكن مجرد توسع عمراني، وإنما أسهمت في خلق دورة اقتصادية واسعة، وتوفير ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، والحفاظ على نشاط قطاع التشييد والبناء والصناعات والأنشطة المرتبطة به.
وأوضح الزلاط أن مشروعات بحجم العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة ومدن الجيل الرابع وشبكات الطرق والمحاور والمرافق، إلى جانب الاستثمارات الكبرى التي دخلت السوق المصرية، وفي مقدمتها رأس الحكمة، أحدثت طلبًا واسعًا على أعمال المقاولات ومواد البناء والخدمات الهندسية والنقل والتشغيل، وفتحت المجال أمام آلاف الشركات والمصانع والموردين للمشاركة في عملية التنمية.
وقال الزلاط:
«من الخطأ أن ننظر إلى مشروع عمراني ضخم باعتباره مجموعة من المباني فقط؛ فخلف كل مبنى شبكة اقتصادية كاملة تبدأ من المهندس والعامل والفني، وتمتد إلى المصنع والمورد وشركات النقل والمعدات والخدمات، ثم إلى التشغيل والإدارة بعد اكتمال المشروع.»
المقاولات ترتبط بأكثر من 100 صناعة وحرفة ونشاط
وأشار حامد الزلاط إلى أن قطاع المقاولات والتشييد والبناء يرتبط بأكثر من 100 صناعة وحرفة ونشاط مغذٍ ومكمل، بداية من الحديد والصلب والأسمنت والطوب والسيراميك والزجاج والألومنيوم والكابلات، مرورًا بالأخشاب والدهانات ومواد العزل والصناعات الكهربائية والميكانيكية والأدوات الصحية والأثاث والمعدات، وصولًا إلى النقل والخدمات اللوجستية والمكاتب الهندسية والاستشارية وغيرها من الأنشطة.
وأوضح الزلاط أن هذا التشابك الواسع يجعل قطاع المقاولات أحد أكثر القطاعات قدرة على تحريك عجلة الإنتاج والتشغيل داخل الاقتصاد، لأن ضخ الاستثمارات في مشروع إنشائي لا ينعكس على شركة المقاولات وحدها، وإنما يمتد أثره إلى شبكة كبيرة من المصانع والموردين ومقدمي الخدمات والعمالة المباشرة وغير المباشرة.
وقال الزلاط:
«عندما يتحرك قطاع المقاولات لا يتحرك وحده؛ تتحرك خلفه أكثر من مئة صناعة وحرفة ونشاط، ويعمل معه المهندس والفني والعامل والمصنع والمورد وشركات النقل والمعدات والخدمات. ولذلك فإن كل مشروع جديد لا يمثل مبنى فقط، وإنما يمثل دورة إنتاج وتشغيل ورأس مال تمتد آثارها إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد المصري.»
وأضاف:
«وفي المقابل، عندما يتعرض قطاع المقاولات لتباطؤ حاد، فإن التأثير لا يتوقف عند شركات المقاولات، وإنما ينتقل إلى المصانع والموردين والعمالة وسلاسل الإمداد. ولهذا أعتبر المقاولات واحدة من أكثر الصناعات قدرة على نقل أثر الاستثمار إلى باقي قطاعات الاقتصاد.»
ملايين المصريين يرتبط عملهم بحركة التشييد والبناء
وأشار الزلاط إلى أن أهمية القطاع تظهر بصورة أكبر عند النظر إلى حجم العمالة التي يستوعبها بصورة مباشرة، فضلًا عن العمالة غير المباشرة المرتبطة بالصناعات والخدمات المغذية له.
وأوضح أن قطاع التشييد والبناء يمثل أحد الأنشطة الرئيسية في سوق العمل المصرية، ويستوعب بصورة مباشرة ملايين المشتغلين، إلى جانب أعداد كبيرة تعمل بصورة غير مباشرة في الصناعات والخدمات وسلاسل التوريد المرتبطة به.
وقال الزلاط:
«عندما نتحدث عن الملايين الذين يعملون في منظومة التشييد والبناء، فنحن لا نتحدث عن عمال مواقع الإنشاء فقط؛ هناك مهندسون وفنيون وسائقون ومشغلو معدات وعمال مصانع وموردون ومكاتب استشارية وشركات خدمات ونقل ولوجستيات، وبالتالي فإن التأثير الحقيقي للقطاع في التشغيل أكبر كثيرًا من العمالة المباشرة داخله.»
وأضاف:
«ومن واقع خبرتي في هذا القطاع، أرى أنه لولا حجم المشروعات التي دخلت السوق المصرية خلال السنوات الماضية، لكان قطاع المقاولات قد واجه حالة شديدة من التباطؤ، وكان تأثير ذلك سيمتد إلى ملايين العاملين بصورة مباشرة وغير مباشرة، وإلى عدد كبير من المصانع والصناعات المغذية.»
وأكد الزلاط أن المشروعات القومية والمدن الجديدة ساهمت بصورة كبيرة في استيعاب العمالة والحفاظ على دوران عجلة الإنتاج خلال سنوات شهد فيها الاقتصاد العالمي والمحلي تحديات متلاحقة، مشيرًا إلى أن توقف هذه المشروعات أو غيابها كان سيترك انعكاسات واسعة على التشغيل ودخول الأسر المرتبطة بهذا القطاع.
العاصمة الإدارية والعلمين.. من بناء المدن إلى صناعة أسواق جديدة
وأوضح الزلاط أن تجربة العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة تمثل نموذجًا لكيفية انتقال الاستثمار من مجرد إنشاء المباني إلى صناعة أسواق اقتصادية جديدة.
وقال:
«العاصمة الإدارية لم تصنع سوقًا للمقاولات فقط؛ لقد صنعت طلبًا على التطوير العقاري والاستشارات الهندسية والتكنولوجيا وإدارة المنشآت والتجارة والخدمات والتشغيل والنقل. وهذا هو المفهوم الحقيقي لإنشاء مدينة جديدة.»
وأضاف:
«الأمر نفسه ينطبق على العلمين الجديدة وغيرها من مدن الجيل الرابع. عندما تنشئ مدينة متكاملة فأنت لا تضيف مباني إلى الخريطة، وإنما تضيف سوقًا جديدة للاقتصاد المصري، وتفتح أمام رأس المال مناطق جديدة للاستثمار والتوسع.»
وأشار الزلاط إلى أن إنشاء المدن الجديدة يرفع القيمة الاقتصادية للأراضي المحيطة بها، ويخلق فرصًا للاستثمار العقاري والتجاري والسياحي والخدمي، خاصة عندما تسبق التنمية استثمارات قوية في الطرق والمرافق والطاقة والاتصالات والنقل.
رأس الحكمة.. نموذج لقدرة مصر على جذب رؤوس الأموال
وأشار حامد الزلاط إلى أن مشروع رأس الحكمة يمثل نموذجًا مهمًا لحجم رؤوس الأموال التي تستطيع التنمية العمرانية المدروسة جذبها إلى السوق المصرية.
وكانت مصر قد أعلنت في فبراير 2024 عن صفقة استثمار مباشر بقيمة 35 مليار دولار لتطوير رأس الحكمة، في واحدة من أكبر صفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي شهدها الاقتصاد المصري، بينما تبلغ مساحة المشروع نحو 170 مليون متر مربع.
وقال الزلاط:
«رأس الحكمة بالنسبة لي ليست مجرد صفقة عقارية؛ إنها دليل واضح على أن الموقع والأرض والبنية الأساسية، عندما توضع داخل رؤية استثمارية متكاملة، يمكن أن تتحول إلى أصل اقتصادي قادر على جذب عشرات المليارات من الدولارات.»
وأضاف:
«والأهم أن مشروعًا بهذا الحجم لا يستفيد منه المطور وحده؛ هناك مقاولون ومصانع وموردون ومهندسون وفنيون وشركات نقل وخدمات وسياحة وفنادق وتشغيل. نحن أمام سلسلة اقتصادية يمكن أن تمتد لسنوات طويلة، وتخلق فرصًا جديدة أمام رأس المال والشركات والعمالة المصرية.»
وأوضح أن استقطاب استثمارات أجنبية كبرى في مشروعات التنمية العمرانية يمثل فرصة يجب استغلالها في تعظيم مشاركة الشركات والمصانع المصرية في أعمال التنفيذ والتوريد والتشغيل، بحيث يبقى أكبر قدر ممكن من القيمة المضافة لهذه الاستثمارات داخل الاقتصاد المصري.
البنية الأساسية هي التي تحول الأرض إلى أصل اقتصادي
وأكد الزلاط أن المستثمر لا ينظر فقط إلى سعر الأرض، وإنما إلى قدرتها على استقبال الاستثمار وتحقيق عائد منه.
وقال:
«الأرض التي لا تصل إليها طرق أو كهرباء أو مياه أو اتصالات تظل قدرتها الاقتصادية محدودة مهما كان موقعها. البنية الأساسية هي التي تحول الأرض من مجرد مساحة جغرافية إلى أصل اقتصادي قابل للاستثمار.»
وأضاف:
«لا يمكن أن تطلب من مستثمر أن يضع مليارات الجنيهات في منطقة غير مهيأة. الدولة تنشئ البنية الأساسية وتفتح محاور التنمية، ثم يأتي دور القطاع الخاص ليضع رأس المال ويطور ويشغل ويخلق فرص العمل.»
وأشار إلى أن العلاقة بين الاستثمار العام والخاص يجب ألا تُفهم باعتبارها منافسة، وإنما باعتبارها علاقة تكامل؛ فالدولة تهيئ البنية الأساسية وتفتح مناطق جديدة للتنمية، بينما يتولى القطاع الخاص ضخ رؤوس الأموال وتحويل هذه الأصول إلى مشروعات منتجة وقادرة على تحقيق عائد اقتصادي مستدام.
صناعة المقاولات المصرية أصبحت رأس مال يجب الحفاظ عليه
ويرى حامد الزلاط أن حجم المشروعات التي نفذتها مصر خلال السنوات الماضية لم ينتج عنه طرق ومدن ومنشآت فقط، وإنما أدى أيضًا إلى تراكم خبرات كبيرة لدى شركات المقاولات والمهندسين والفنيين والعمال المصريين.
وقال:
«لدينا اليوم خبرات مصرية شاركت في تنفيذ مدن وطرق وأنفاق وكباري وأبراج ومرافق ومشروعات على مستوى كبير من التعقيد الهندسي. هذه الخبرات نفسها أصبحت رأس مال يجب الحفاظ عليه واستثماره.»
وأضاف:
«العامل والمهندس والفني الذي اكتسب خبرة على مدار سنوات لا يمكن تعويضه بسهولة إذا خرج من القطاع. ولذلك فإن استمرار حجم أعمال مناسب للمقاولات ليس قضية شركات فقط، وإنما قضية حفاظ على قدرات إنتاجية وخبرات بشرية تكونت عبر سنوات.»
تصدير المقاولات المصرية فرصة لجلب العملة الأجنبية
وأكد الزلاط أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد توسعًا أكبر للشركات المصرية في الأسواق العربية والأفريقية، مستفيدة من الخبرات التي اكتسبتها في تنفيذ المشروعات الكبرى داخل مصر.
وقال:
«مثلما نصدر منتجًا صناعيًا، نستطيع أن نصدر المقاولات والخبرة الهندسية المصرية. لدينا مهندسون وفنيون وشركات اكتسبوا خبرات كبيرة، ولدينا فرصة حقيقية لتحويل هذه الخبرات إلى صادرات خدمية تدر عملة أجنبية على الاقتصاد المصري.»
وأضاف أن التوسع الخارجي للشركات المصرية يمكن أن يفتح أسواقًا إضافية أمام صناعات مواد البناء المحلية، بحيث لا يقتصر الأمر على تصدير خدمات المقاول، وإنما يمتد إلى الحديد والكابلات والسيراميك والأدوات الصحية والدهانات والألومنيوم وغيرها من المنتجات المصرية.
وأكد أن امتلاك الشركات المصرية لسجل تنفيذ قوي في المشروعات الكبرى داخل السوق المحلية يمنحها عنصرًا مهمًا عند المنافسة على المشروعات الإقليمية، خاصة في الأسواق العربية والأفريقية التي تشهد توسعًا عمرانيًا واستثمارات متزايدة في البنية الأساسية.
المرحلة المقبلة.. من البناء إلى الاستثمار والتشغيل
وأكد حامد الزلاط أن التحدي الأكبر خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تعظيم العائد الاقتصادي من البنية الأساسية والمدن التي تم إنشاؤها.
وقال:
«المرحلة الأولى كانت فتح محاور التنمية وبناء البنية الأساسية والمدن، أما المرحلة التالية فيجب أن يكون عنوانها الاستثمار والتشغيل والإنتاج.»
وأضاف:
«المدينة الناجحة ليست المدينة التي تحتوي على أكبر عدد من المباني، وإنما المدينة التي تستطيع جذب السكان والشركات ورأس المال، وخلق وظائف ونشاط اقتصادي مستدام.»
وأوضح أن كل مدينة جديدة يجب أن يكون لديها محرك اقتصادي واضح، سواء كان إداريًا أو صناعيًا أو سياحيًا أو تكنولوجيًا أو خدميًا أو تعليميًا، لأن الوظائف هي التي تجذب السكان، والسكان يجذبون الخدمات، والخدمات بدورها تجذب المزيد من الاستثمارات.
القطاع الخاص شريك أساسي في المرحلة المقبلة
وشدد الزلاط على أهمية توسيع مشاركة القطاع الخاص المصري والعربي والأجنبي في عمليات التنمية والتشغيل، معتبرًا أن حجم البنية الأساسية التي تم إنشاؤها يمثل قاعدة يمكن البناء عليها لجذب المزيد من رؤوس الأموال.
وقال:
«البنية الأساسية تجذب رأس المال، ورأس المال ينشئ المشروعات، والمشروعات تخلق الوظائف، والوظائف ترفع دخول الأسر وتحرك الاستهلاك والإنتاج. عندما تستمر هذه الدورة بصورة سليمة يستفيد الاقتصاد كله.»
وأضاف أن جذب الاستثمار لا يجب أن يكون هدفًا منفصلًا عن تعظيم المكون المحلي، مشددًا على أهمية دخول الشركات والمصانع المصرية بقوة في سلاسل التوريد والتنفيذ الخاصة بالمشروعات الاستثمارية الكبرى.
وتابع:
«كل مليار يدخل إلى السوق يجب أن نسأل كيف نجعل أكبر نسبة ممكنة منه تتحول إلى عقود لشركات مصرية، وطلبات شراء من مصانع مصرية، وأجور لعمالة مصرية، وخبرات جديدة تظل داخل السوق. هنا فقط نستطيع تعظيم القيمة الحقيقية للاستثمار.»
حامد الزلاط: المقاولات ليست خرسانة وحديدًا.. إنها دورة اقتصادية كاملة
واختتم حامد الزلاط، رئيس مجلس إدارة مجموعة الزلاط ورئيس مجلس إدارة شركة الزلاط للإنشاءات والمقاولات العامة، تصريحاته بالتأكيد على ضرورة النظر إلى قطاع المقاولات باعتباره أحد محركات الاقتصاد وليس مجرد نشاط إنشائي.
وقال:
«المقاولات ليست خرسانة وحديدًا فقط؛ إنها دورة اقتصادية كاملة. خلف كل مشروع عامل يريد فرصة عمل، ومصنع يريد أن ينتج، وشركة تريد أن تتوسع، ومستثمر يبحث عن فرصة، وأسرة تعتمد على دخل يأتي من هذه المنظومة.»
وأضاف:
«المشروعات القومية والمدن الجديدة والبنية الأساسية حافظت على حركة قطاع كبير من الاقتصاد، وخلقت سوقًا للمقاولات والصناعة والخدمات والاستثمار. والمطلوب الآن أن نستثمر ما تم بناؤه وننتقل بقوة إلى مرحلة الإنتاج والتشغيل وجذب رؤوس الأموال.»
واختتم الزلاط:
«الدولة التي تبني بنيتها الأساسية لا تبني للحاضر فقط، بل تؤسس لاقتصاد المستقبل. والقيمة الحقيقية لكل طريق ومدينة ومشروع جديد لا تتوقف عند تكلفة إنشائه، وإنما فيما يخلقه بعد ذلك من استثمار وإنتاج وتصدير وفرص عمل.»
«وفي النهاية، العمران الحقيقي لا يُقاس بعدد المباني التي ترتفع، بل بعدد المصانع التي تعمل، والشركات التي تنمو، والاستثمارات التي تدخل، وفرص العمل التي تُخلق للمصريين.»