كتب سيد حسن
يمثل إلغاء الدورة الجديدة من معرض «سيتي سكيب مصر» لعام 2026، لأول مرة منذ انطلاق المعرض في مصر عام 2011، حدثًا لافتًا يستحق التوقف أمامه، ليس فقط باعتبار المعرض واحدًا من أهم الفعاليات العقارية في مصر، وإنما لما يحمله القرار من رسائل بشأن التحولات التي يشهدها القطاع العقاري وطبيعة العلاقة بين المطور والعميل وأدوات التسويق والبيع.
وكان من المقرر إقامة الدورة الجديدة خلال الفترة من 30 سبتمبر وحتى 3 أكتوبر 2026 بمركز مصر للمعارض الدولية، إلا أن تقارير صحفية أفادت بإلغاء الدورة الحالية، مع الإشارة إلى تراجع أعداد الشركات الراغبة في المشاركة وارتفاع تكلفة المساحات والتجهيزات باعتبارها من أبرز أسباب القرار.
هل إلغاء المعرض يعني تراجع السوق؟
الإجابة ليست بالضرورة.
فمن الخطأ التعامل مع إلغاء معرض واحد باعتباره مؤشرًا منفردًا على أداء سوق بحجم السوق العقاري المصري، الذي يضم مئات الشركات والمشروعات وشرائح مختلفة من العملاء والمستثمرين.
ويرى عدد من العاملين في القطاع أن القرار يعكس بصورة أكبر تغيرًا في أدوات التسويق والبيع وسلوك العميل، وليس بالضرورة اختفاء الطلب على العقار.
وفي هذا السياق، أكد المهندس أحمد العتال، رئيس مجلس إدارة مجموعة العتال القابضة، أن إلغاء «سيتي سكيب» لا يعني فقدان السوق العقاري قوته أو تراجع الطلب، وإنما يعكس تغيرًا في أدوات البيع والتسويق خلال السنوات الأخيرة، مع زيادة أهمية المنصات الرقمية والتسويق المباشر والفعاليات الخاصة وتجربة العميل.
ارتفاع تكلفة المشاركة.. نقطة جوهرية
أحد أبرز الملفات التي أثارتها التقارير المرتبطة بالإلغاء هو ارتفاع تكلفة المشاركة في المعرض، في الوقت الذي أصبحت فيه شركات التطوير أكثر حرصًا على قياس العائد المباشر من كل جنيه يتم إنفاقه على التسويق.
وتشير تقارير إلى أن تكلفة متر الجناح وصلت إلى نحو 16 ألف جنيه، مع حد أدنى للمساحة يبلغ 150 مترًا لبعض المشاركين، وهو ما يعني أن المشاركة لا تتوقف عند تكلفة حجز المساحة، بل تمتد إلى التصميم والتجهيز والموظفين والتسويق والتشغيل، لتتحول المشاركة إلى استثمار تسويقي كبير يحتاج إلى عائد واضح.
وهنا يظهر السؤال الأهم:
هل أصبح المعرض العقاري التقليدي أقل قدرة على تحقيق العائد الذي كانت تحققه المشاركة فيه منذ سنوات؟
العميل العقاري تغير
السوق العقاري نفسه تغير بصورة كبيرة.
فالعميل اليوم يستطيع مشاهدة المشروع، ومقارنة الأسعار وأنظمة السداد، ومتابعة آراء العملاء، ومشاهدة الجولات الافتراضية للمشروعات، والتواصل مباشرة مع فرق المبيعات، وكل ذلك عبر الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية.
وبالتالي لم يعد حضور العميل إلى معرض لمدة عدة أيام هو الوسيلة الوحيدة لاكتشاف المشروعات واتخاذ قرار الشراء.
وهذا التحول يفرض على شركات التطوير العقاري إعادة التفكير في ميزانيات التسويق، والانتقال من فكرة «التواجد في المعرض» إلى فكرة «الوصول إلى العميل المناسب».
التأثير على شركات التطوير العقاري
على المدى القصير، قد يدفع إلغاء المعرض الشركات إلى إعادة توزيع ميزانيات التسويق التي كانت مخصصة للمشاركة، سواء من خلال الحملات الرقمية، أو تنظيم فعاليات خاصة، أو إقامة Open Days، أو زيادة الاستثمار في التسويق المباشر وقواعد بيانات العملاء.
وقد يمثل ذلك فرصة لبعض الشركات لتجربة أدوات أكثر استهدافًا وقابلية للقياس.
لكن في المقابل، سيظل هناك جانب سلبي، إذ كان «سيتي سكيب» يوفر منصة واحدة تجمع عددًا كبيرًا من المطورين والعملاء والمستثمرين في مكان واحد، وهو ما كان يمنح الشركات فرصة لقياس المنافسة ومتابعة اتجاهات السوق والتواصل المباشر مع العملاء.
وماذا عن العملاء؟
من ناحية العملاء، قد يؤدي غياب المعرض إلى فقدان موسم مهم للمقارنة بين عدد كبير من المشروعات والعروض في مكان واحد.
لكن التأثير قد يكون محدودًا إذا نجحت الشركات في نقل العروض والفعاليات إلى منصاتها الخاصة والقنوات الرقمية.
بل إن المنافسة قد تنتقل من «من لديه أكبر جناح؟» إلى «من لديه أفضل منتج وأفضل سعر وأفضل تجربة للعميل؟».
رسالة إلى منظومة المعارض العقارية
ربما تكون الرسالة الأهم من إلغاء «سيتي سكيب» موجهة إلى صناعة المعارض نفسها.
فالمطور العقاري أصبح أكثر اهتمامًا بحساب العائد على الاستثمار، بينما أصبح العميل أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والمعلومات الرقمية قبل اتخاذ قرار الشراء.
وبالتالي، فإن المعارض العقارية المقبلة ستحتاج إلى تقديم قيمة مضافة حقيقية، سواء من خلال تخفيض تكلفة المشاركة، أو استهداف شرائح أكثر تحديدًا من العملاء، أو توفير أدوات رقمية متطورة لقياس نتائج المشاركة، أو تقديم محتوى ومؤتمرات وفعاليات قادرة على جذب المستثمرين وصناع القرار، وليس فقط الزوار.
فرصة لإعادة ترتيب السوق
ورغم حالة الجدل التي أثارها القرار، فإن إلغاء دورة «سيتي سكيب مصر» يمكن أن يتحول إلى فرصة لإعادة تقييم منظومة المعارض العقارية بالكامل.
فالقطاع لا يحتاج فقط إلى معرض كبير، وإنما يحتاج إلى منظومة تسويقية متطورة تحقق التوازن بين مصالح المطور والعميل والمنظم.
كما أن القرار قد يدفع شركات التطوير إلى التركيز بصورة أكبر على جودة المنتج، والالتزام بمواعيد التسليم، وشفافية المعلومات، وخدمة ما بعد البيع، بدلًا من الاعتماد على قوة الحملات الإعلانية وحدها.
الخلاصة
إلغاء «سيتي سكيب مصر 2026» هو بالتأكيد حدث غير معتاد في السوق العقاري المصري، خاصة أن المعرض استمر منذ عام 2011 دون توقف بحسب التقارير المنشورة.
لكن قراءة القرار باعتباره «أزمة عقارية» فقط قد تكون قراءة متسرعة.
الأقرب أن ما يحدث هو إعادة تشكيل لطريقة تسويق وبيع العقار في مصر.
السوق لم يتوقف، والطلب على العقار لم يختفِ، لكن قواعد اللعبة تتغير.
فبعد سنوات كان فيها المعرض العقاري أحد أهم أبواب البيع، أصبح المطور اليوم أمام سؤال مختلف:
هل أحتاج إلى جناح كبير لأصل إلى العميل؟ أم أحتاج إلى منتج قوي، وتسويق ذكي، وسعر تنافسي، وثقة حقيقية تجعل العميل يصل إليّ؟
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تركها إلغاء «سيتي سكيب» للسوق العقاري المصري.