مقالات

تجار الأزمات وركود الترشيد

شارك المقال:
تجار الأزمات وركود الترشيد
بقلم إيهاب محمود
 الخبير السياسي والاقتصادي 
 عندما يتحول الانضباط المالي إلى شماعة لنهب الجيوب
في علم الاقتصاد الرصين تعد خطط الترشيد الحكومي 
وضبط الإنفاق العام بمثابة الدواء المر الذي تتجرعه الدول لكبح جماح التضخم وسحب فائض السيولة من الأسواق
 وهي خطوة يفترض نظرياً وعملياً أن تقود إلى انكماش الطلب الكلي وبالتالي إجبار الأسعار على التراجع أو الثبات على أقل تقدير لكن في أسواقنا التي تفتقر إلى آليات المنافسة الكاملة تنقلب القوانين الاقتصادية رأساً على عقب ليخرج علينا فصيل من التجار والمحتكرين بـ منطق معكوس يحول إجراءات التقشف الحكومي إلى فرصة ذهبية لتعظيم الأرباح على حساب المواطن
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس تراجع السيولة بحد ذاته
 بل ظاهرة استغلال فجوة المعلومات حيث يعمد بعض كبار الموزعين والتجار إلى تمرير زيادات سعرية غير مبررة تحت الغطاء المطاطي للظروف الاقتصادية العامة متجاهلين حقيقة 
أنه لا يوجد أي تغير جوهري في تكاليف الإنتاج أو أسعار مدخلات الصناعة أو اضطراب في سلاسل الإمداد العالمية يبرر هذا الجنون السعري إنه تسعير تحوطي جشع يعتمد على افتعال الأزمة قبل وقوعها وتعويض تراجع حجم المبيعات برفع هامش الربح على الوحدة الواحدة في تحد سافر لكل قواعد العرض والطلب
إن استمرار هذه الممارسات الاحتكارية لا يكتفي باستنزاف
 ما تبقى من مدخرات الأسر بل يدفع بالسوق دفعاً نحو نفق مظلم يُعرف اقتصادياً بـ الركود التضخمي المصغر حيث تتباطأ حركة البيع والشراء ويشل الركود الأسواق
 بينما تواصل الأسعار صعودها الصاروخي وهو سيناريو كارثي يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمستهلك من جهة ويُفرغ خطة الترشيد الحكومية من مضمونها ويُفشل مستهدفاتها في السيطرة على معدلات التضخم من جهة أخرى
إن المعركة اليوم لم تعد معركة أرقام وموازنات فحسب 
بل هي معركة لضبط إيقاع السوق وحماية الأمن الاقتصادي والاجتماعي فترك الحبل على الغارب أمام من يتلاعبون بقوت الناس تحت شعار حرية السوق هو انتحار اقتصادي 
والمطلوب الآن وبشكل عاجل تفعيل القبضة الرقابية الذكية لجهاز حماية المنافسة وتشديد الرقابة على حلقات التداول وإلزام المنتجين والمستوردين بإعلان التكلفة الحقيقية والحد الأقصى للسعر مع الضرب بيد من حديد على كل من يثبت تورطه في احتكار السلع أو تعطيش الأسواق فالأزمات الاقتصادية الكبرى هي الاختبار الحقيقي لوطنية رأس المال ولن يُسمح لأحد بأن يبني ثروته على أنقاض استقرار الوطن ومعاناة مواطنيه

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀