الاقتصاد

الطريق إلى الأهرامات.. سياحة إفريقية جديدة تبدأ من المتحف المصري الكبير»

شارك المقال:
الطريق إلى الأهرامات.. سياحة إفريقية جديدة تبدأ من المتحف المصري الكبير»

«الطريق إلى الأهرامات.. سياحة إفريقية جديدة تبدأ من المتحف المصري الكبير»

رامي زُهدي – خبير الشؤون الإفريقية السياسية والإقتصادية، الإستثمار والتجارة البينية وملفات التعاون الدولي بالقارة

حين يفتح المتحف المصري الكبير أبوابه للعالم، لا يطل من قلب الجيزة وحدها، بل من قلب إفريقيا كلها، إذ تتجاوز دلالات هذا الصرح الثقافي الهائل حدود السياحة التقليدية إلى آفاق التكامل الإفريقي الاقتصادي والثقافي، لتصبح الأهرامات من جديد نقطة التقاء حضارات القارة السمراء. إن المتحف المصري الكبير ليس مجرد مخزن للآثار ولا واجهة سياحية لمصر، بل هو منصة استراتيجية لربط التاريخ بالحاضر، والثقافة بالاقتصاد، ومصر بإفريقيا، في مشروع تنموي يمكن أن يعيد رسم خريطة السياحة الإفريقية على أسس من التعاون والتكامل المشترك.

تشير التقديرات الدولية إلى أن قطاع السياحة في إفريقيا يمثل نحو 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة، ويوفر أكثر من 24 مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، بحسب بيانات الاتحاد الإفريقي ومنظمة السياحة العالمية لعام 2024. وتعد مصر في مقدمة الدول الإفريقية من حيث العائدات السياحية، إذ تجاوزت إيراداتها من السياحة 13 مليار دولار في عام 2023، رغم التحديات العالمية، لكن اللافت أن نصيب السياحة البينية الإفريقية لا يتجاوز 5% من إجمالي حركة السياحة الوافدة إلى مصر، وهو رقم يعكس فجوة هائلة بين الإمكانات المتاحة والواقع القائم، ويفتح الباب أمام مشروع متكامل لخلق مسارات سياحية إفريقية تربط بين كنوز القارة عبر ممرات تنمية وتبادل حضاري واقتصادي.

المتحف المصري الكبير، بكونه أكبر متحف أثري في العالم بمساحة تتجاوز نصف مليون متر مربع، يمثل نقطة جذب عالمية قادرة على تغيير وجه السياحة الثقافية في إفريقيا، فكما يتدفق الملايين نحو أهرامات الجيزة سنوياً، يمكن أن تمتد هذه الحركة لتصبح جزءاً من مسار سياحي إفريقي يبدأ من القاهرة ويمتد جنوباً عبر طريق القاهرة–كيب تاون، الذي يربط إحدى عشرة دولة إفريقية مروراً بالسودان وإثيوبيا وكينيا وتنزانيا وزامبيا وزيمبابوي وصولاً إلى جنوب إفريقيا، هذا الطريق الذي يبلغ طوله أكثر من 10 آلاف كيلومتر ليس مجرد ممر للنقل البري، بل يمكن أن يتحول إلى شريان اقتصادي وسياحي وثقافي إذا ما أحسن استثماره في إطار رؤية إفريقية موحدة للتكامل السياحي.

إن ما تحتاجه القارة اليوم هو “السياحة المشتركة” التي تجمع بين المقاصد التاريخية والطبيعية والثقافية عبر باقات سياحية عابرة للحدود، مدعومة بتيسير التأشيرات، وتطوير البنية التحتية، وتوحيد أنظمة النقل والتأمين والسفر. ولعل مصر تمتلك المقومات الكاملة لقيادة هذا التحول، بما لديها من موقع جغرافي فريد على مفترق القارات، وخبرة سياحية تمتد لأكثر من قرن، وبنية تحتية متطورة تضم أكثر من 220 ألف غرفة فندقية ومطارات حديثة تربطها بـ40 عاصمة إفريقية عبر خطوط مصر للطيران.

ومن الملاحظ أن هناك توجهاً متزايداً من الدول الإفريقية لتعزيز السياحة البينية، فقد سجلت رواندا وكينيا وتنزانيا زيادة بنسبة 35% في عدد الزوار من الدول الإفريقية خلال عام 2024، فيما دشنت جنوب إفريقيا مبادرة “Discover Africa Together” للترويج للسفر بين دول القارة، وإذا ما نجحت مصر في إدماج المتحف المصري الكبير ضمن استراتيجية إقليمية للسياحة الثقافية، فإنها ستقود نموذجاً جديداً يجمع بين العراقة والحداثة، وبين التاريخ والاستثمار.

الربط بين المتحف المصري الكبير ومسارات التنمية الإفريقية ليس فكرة رمزية، بل رؤية استراتيجية تتكامل مع خطط الاتحاد الإفريقي 2063 التي تضع الثقافة والتراث ضمن محركات التنمية المستدامة. فالمتحف يمكن أن يكون بوابة لتعاون واسع في مجالات التراث الإفريقي المشترك، وتبادل المعارض الأثرية بين الدول، وإقامة مهرجانات فنية وثقافية تعيد صياغة الوعي الإفريقي المشترك حول تاريخه وحضارته، كما يمكن للمتحف أن يستضيف معارض دورية للتراث الإفريقي المعاصر، تبرز التنوع الثقافي للقارة، وتدعم التعاون بين المتاحف الإفريقية الكبرى، مثل متحف كيجالي للتراث، ومتحف نيروبي الوطني، ومتحف كيب تاون للفنون الإفريقية.

وفي ظل تنامي دور الاقتصاد الإبداعي في القارة، الذي تجاوز حجمه 58 مليار دولار عام 2024 بحسب البنك الإفريقي للتنمية، يمكن للمتحف المصري الكبير أن يكون مركزاً للابتكار الثقافي والسياحي، وأن يدعم الشركات الناشئة الإفريقية في مجالات السياحة الرقمية، والواقع الافتراضي، والذكاء الاصطناعي في العرض المتحفي، وهي مجالات تمثل مستقبل صناعة السياحة في العالم.

كما أن ربط المتحف بمشروعات النقل الإقليمي مثل طريق القاهرة–كيب تاون، وممر التنمية الشرقي الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، يمكن أن يخلق ممرات سياحية–تجارية متكاملة تدعم التجارة البينية الإفريقية التي ما زالت لا تتجاوز 17% من إجمالي تجارة القارة، رغم دخول اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية حيز التنفيذ، فالسائح الإفريقي يمكن أن يصبح أيضاً مستثمراً صغيراً، أو تاجراً متنقلاً، أو ناقلاً لتجربة اقتصادية وثقافية بين بلاده ومصر، ما يعزز التكامل الحقيقي على الأرض لا على الورق فقط.

وربما حان الوقت لإنشاء “التحالف الإفريقي للسياحة الثقافية”، تكون مصر في مقدمته، ليعمل على تطوير برامج سياحية موحدة، وتنسيق الجهود التسويقية والإعلامية، واستحداث مسارات جديدة تربط بين مناطق الجذب الإفريقية الكبرى مثل المتحف المصري الكبير، وشلالات فيكتوريا، وسهول سيرينجيتي، وأهرامات مروي في السودان، ومواقع التراث العالمي في إثيوبيا وغانا ونيجيريا، إن هذه الشبكة المتكاملة يمكن أن تولد دخلاً يتجاوز 50 مليار دولار سنوياً خلال عقد واحد فقط إذا ما تم تنسيق الجهود والبنية المؤسسية.

ولا يمكن تجاهل البعد الدبلوماسي لهذا التوجه، فالسياحة ليست مجرد ترفيه، بل أداة قوة ناعمة تفتح قنوات التواصل بين الشعوب، وتعمق الوعي المتبادل، وتبني الثقة السياسية بين الدول، والمتحف المصري الكبير، بما يجسده من عظمة الحضارة المصرية القديمة التي تمثل جزءاً من هوية إفريقيا التاريخية، يمكن أن يكون محوراً للدبلوماسية الثقافية المصرية في القارة، تعزز من خلالها القاهرة حضورها في الوعي الإفريقي المشترك، ليس عبر الخطابات فقط، بل من خلال تجربة حية وملموسة يعيشها السائح الإفريقي حين يقف أمام تمثال رمسيس الثاني أو يرى توت عنخ آمون في عرضه الذهبي.

وإذا كان الاقتصاد العالمي يسير نحو ما يُعرف باقتصاد التجربة، فإن مصر تملك من عناصر الجذب ما يجعلها في طليعة الدول القادرة على تقديم تجربة متكاملة للزائر الإفريقي تجمع بين المعرفة، والمتعة، والهوية، والانتماء القاري، ومن هنا تأتي أهمية أن تعمل الدولة المصرية بالتنسيق مع القطاع الخاص، ومؤسسات التمويل الإفريقية، وشركات السياحة، على تصميم برامج مخصصة للسياح الأفارقة بأسعار تنافسية، وتسهيلات في التأشيرات، وخدمات موجهة تراعي البعد الثقافي والإقليمي.

إن الطريق إلى الأهرامات لم يعد مجرد طريق سياحي، بل طريق للتكامل الإفريقي بأبعاده الاقتصادية والثقافية والاستراتيجية، فالمتحف المصري الكبير يمكن أن يصبح منطلقاً لثورة في صناعة السياحة الإفريقية، ومختبراً حياً لتجسيد شعار الاتحاد الإفريقي “إفريقيا التي نريدها”، حيث تتلاقى الحضارات ولا تتصادم، ويتحول التراث إلى مورد تنموي، والتاريخ إلى أداة لبناء المستقبل. ومصر، بما تمتلكه من ثقل حضاري وسياسي، قادرة على قيادة هذا التحول، لتثبت من جديد أن بوابة إفريقيا إلى المستقبل تمر من عند أهراماتها، وأن المتحف المصري الكبير هو بداية عصر جديد من الشراكة الإفريقية في صناعة السياحة والتنمية معاً.

مؤتمر التامين

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀