رامي زهدي
لم تعد العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في الدول الحديثة علاقة هامشية تدار من خلال مساحات محدودة للعمل الاجتماعي أو الخيري، كما لم يعد المجتمع المدني مجرد ذراع تنفيذية لبعض البرامج الحكومية أو مساحة لتقديم المساعدات للفئات الاكثر احتياجا، نحن امام مفهوم اوسع بكثير، يتصل بطبيعة الدولة نفسها، وبقدرتها على بناء مجتمع قادر على المشاركة في صناعة السياسات، وتحويل الاحتياجات الاجتماعية الى برامج قابلة للتنفيذ، وتحويل الطاقات المبعثرة الى قوة منظمة تخدم التنمية والاستقرار.
ومن هنا فان الحديث عن الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني في مصر لا ينبغي ان ينطلق من سؤال: ماذا يمكن ان تقدم الجمعيات للدولة؟ وانما من سؤال اكثر عمقا: كيف يمكن ان تصبح الدولة والمجتمع المدني والحزبي والقطاع الخاص ثلاث دوائر متكاملة لصناعة التنمية، بحيث تحتفظ الدولة بدورها التنظيمي والاستراتيجي، ويحتفظ المجتمع المدني بمرونته وقربه من الناس، ويضطلع القطاع الخاص بدوره في الاستثمار والابتكار وخلق فرص العمل؟
هذه النقلة في التفكير ضرورية، لان الدولة مهما بلغت قدراتها لا تستطيع وحدها ان ترى كل التفاصيل الموجودة في المجتمع، كما ان المجتمع المدني مهما اتسعت قدراته لا يستطيع ان يحل محل الدولة، الدولة تمتلك الشرعية والقدرة على التخطيط ووضع السياسات وتعبئة الموارد العامة، بينما يمتلك المجتمع المدني ميزة القرب من المواطن والقدرة على اكتشاف الاحتياجات المحلية والتفاعل السريع معها، ويمتلك القطاع الخاص القدرة على تحويل الموارد والافكار الى استثمارات ومنتجات وخدمات وفرص عمل.
وبين هذه الدوائر الثلاث توجد مساحة واسعة يمكن ان نسميها اقتصاد الشراكة المجتمعية، وهي مساحة لم تعد ترفا مؤسسيا، بل اصبحت احد شروط بناء الدول القادرة على مواجهة الازمات المركبة، من الفقر والبطالة الى التغير المناخي والامن الغذائي والمائي، ومن التحول الرقمي الى تمكين الشباب والمرأة، ومن التنمية المحلية الى حماية النسيج الاجتماعي.
وفي الحالة المصرية، نحن لا نتحدث عن قطاع صغير او ظاهرة محدودة، فوفقا لبيانات وزارة التضامن الاجتماعي، يوجد في مصر نحو 36 الف جمعية مسجلة، بينما تشير بيانات ومصادر اخرى الى نحو 38 الف منظمة وجمعية اهلية قائمة في اطار منظومة العمل الاهلي، كما اظهرت بيانات الوزارة ان عدد المنظمات التي وفقت اوضاعها وفقا لقانون تنظيم ممارسة العمل الاهلي رقم 149 لسنة 2019 بلغ 33,126 مؤسسة حتى عام 2024، بينما اتخذت اجراءات قانونية تجاه 20,436 جمعية ومؤسسة لم توفق اوضاعها.
هذه الارقام لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد احصاء لعدد الجمعيات، بل باعتبارها مؤشرا على حجم الكتلة الاجتماعية والتنموية التي يمكن ان تشارك في بناء الدولة، لكن الرقم وحده لا يصنع اثرا، فقد تمتلك الدولة عشرات الالاف من الكيانات، ولا تمتلك في المقابل منظومة متماسكة لقياس اثرها، وقد تمتلك الجمعيات قواعد جماهيرية واسعة، لكنها تفتقر الى الحوكمة والتمويل المستدام والقدرة المؤسسية، ولذلك فان التحدي الحقيقي ليس زيادة عدد المنظمات، وانما زيادة عدد المنظمات الفاعلة والقادرة على صناعة قيمة اجتماعية قابلة للقياس.
وهنا تظهر واحدة من اهم الاشكاليات التي ينبغي ان نواجهها بقدر كبير من الصراحة: المجتمع المدني ليس كتلة واحدة متجانسة، هناك مؤسسات تمتلك خبرات كبيرة ونظم حوكمة وادارة احترافية، وهناك كيانات تعمل بصورة موسمية، وهناك جمعيات تقوم بادوار شديدة الاهمية في قرى ومناطق لا تصل اليها البرامج بسهولة، وهناك ايضا كيانات قد تكون موجودة قانونا اكثر مما هي موجودة فعليا في المجال العام. ولذلك فان بناء الشراكة لا يمكن ان يقوم على افتراض ان كل الجمعيات تمتلك القدرة ذاتها.
الشراكة الحقيقية تبدأ من بناء القدرات قبل توزيع الادوار، فلا يمكن ان نطلب من منظمة اهلية ان تكون شريكا في تنفيذ سياسة عامة بينما لا نمنحها ادوات التخطيط، ولا نظم الادارة المالية، ولا معايير قياس الاثر، ولا التدريب، ولا القدرة على الوصول الى البيانات، وفي المقابل لا يمكن للمجتمع المدني ان يطالب بدور اوسع دون ان يثبت قدرته على الشفافية والمساءلة والانضباط المؤسسي وحماية الموارد التي يحصل عليها من الداخل او الخارج.
وهنا تصبح الحوكمة هي اللغة المشتركة بين الدولة والمجتمع المدني، فالدولة تحتاج الى مجتمع مدني قوي، لكنها تحتاج ايضا الى مجتمع مدني مسؤول، والمجتمع المدني يحتاج الى دولة داعمة، لكنه يحتاج ايضا الى دولة واضحة القواعد لا تتعامل مع كل نشاط اهلي باعتباره نشاطا استثنائيا يحتاج الى موافقات غير محددة او مساحات رمادية في التنظيم، العلاقة الصحية لا تقوم على الشك المتبادل، وانما على قواعد معلنة، ومؤشرات قياس، ومسؤوليات محددة، وآليات للمحاسبة.
وشهدت مصر خلال السنوات الاخيرة تطورا تشريعيا ومؤسسيا مهما في هذا الاتجاه، وكان صدور القانون رقم 149 لسنة 2019 بشأن تنظيم ممارسة العمل الاهلي محطة مهمة في اعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمنظمات الاهلية، كما جرى اطلاق منظومة الكترونية لتنظيم العمل الاهلي، بما يفتح الباب امام قدر اكبر من التنظيم والشفافية وتيسير الاجراءات.
لكن التشريع مهما كان جيدا لا يكفي وحده، فالانتقال من ادارة العمل الاهلي الى ادارة الشراكة يحتاج الى فلسفة تنفيذية مختلفة، المطلوب ليس فقط ان يكون المجتمع المدني مسموحا له بالعمل، بل ان يكون قادرا على المشاركة في صياغة الحلول، وان تكون هناك قنوات مؤسسية تجعل صوته جزءا من عملية صنع السياسات.
وهذا يقودنا الى مفهوم اكثر تقدما: الانتقال من نموذج “المجتمع المدني المنفذ” الى نموذج “المجتمع المدني الشريك”، والفارق بين النموذجين كبير، ففي النموذج الاول تحدد الدولة المشكلة والحل والميزانية والجدول الزمني، ثم تبحث عن جهة اهلية لتنفيذ ما قررته، اما في النموذج الثاني فتبدأ العملية من تشخيص مشترك للمشكلة، ثم تصميم مشترك للتدخل، ثم تنفيذ موزع للادوار، ثم قياس مستقل للنتائج.
وهذا النموذج هو الذي يمكن ان يجعل المجتمع المدني مصدرا للسياسات العامة وليس مجرد منفذ لها.
فالجمعيات الموجودة في قرى الصعيد والدلتا والمناطق الحدودية والمجتمعات الاكثر احتياجا تمتلك احيانا معرفة دقيقة للغاية بتفاصيل لا تظهر في التقارير المركزية، تعرف لماذا فشل مشروع صغير، ولماذا لم يستفد مستهدف معين من برنامج، وما هي العادات المحلية التي تعوق تدخلات بعينها، واين توجد الفئات التي يصعب الوصول اليها، هذه المعرفة ليست عملا خيريا فقط، بل هي “بيانات اجتماعية” يمكن ان تصبح جزءا من عملية صناعة القرار.
ومن هنا فان احد اهم الاصلاحات المطلوبة هو تحويل المجتمع المدني الى شريك في انتاج البيانات المحلية.
نحتاج الى قواعد بيانات مجتمعية متخصصة في الفقر، والتعليم، والصحة، والبطالة، والمرأة، والشباب، وذوي الاعاقة، والمياه، والبيئة، والمشروعات الصغيرة، والاحتياجات الاقتصادية للمناطق المختلفة، وعندما تتصل هذه البيانات بمنصات الدولة الرقمية، يصبح لدينا نظام اكثر دقة لتحديد الاولويات وتوجيه الموارد.
وهنا يمكن ان تبدأ مرحلة جديدة من العمل الاهلي: من “الوصول الى المواطن” الى “معرفة المواطن”.
والفارق بين الاثنين هو الفارق بين العمل القائم على الانطباع والعمل القائم على البيانات.
كما ان الشراكة يجب الا تختزل في الجانب الاجتماعي فقط، فمن الخطأ ان نحصر المجتمع المدني في اطار المساعدات والاعانات والاغاثة، المجتمع المدني يمكن ان يكون لاعبا في التنمية الاقتصادية من خلال دعم ريادة الاعمال، والتدريب المهني، وربط الشباب بسوق العمل، وتمكين المرأة اقتصاديا، ودعم التعاونيات، وتطوير الصناعات الصغيرة، وتشجيع الاقتصاد الاجتماعي، ودعم المشروعات الخضراء، ونشر الثقافة المالية والرقمية.
وهذا مهم بصورة خاصة في مصر، حيث بلغ عدد السكان نحو 118.4 مليون نسمة في 2025، وفقا لبيانات البنك الدولي، بينما سجل الاقتصاد المصري نموا قدره 4.4% في العام نفسه، هذه الكتلة السكانية الضخمة تعني ان الدولة تحتاج باستمرار الى توسيع قدرة المجتمع على الانتاج والعمل والمشاركة، وليس فقط توسيع شبكات الدعم.
والقاعدة التي يجب ان تحكم المرحلة المقبلة هي ان الدعم الاجتماعي ضرورة، لكنه ليس استراتيجية تنمية مكتملة، الرعاية تحمي الانسان من السقوط، اما التنمية فتنقله الى موقع القدرة والانتاج والاستقلال الاقتصادي.
ومن هنا يمكن للمجتمع المدني ان يلعب دورا اكبر في الانتقال من اقتصاد الاعانة الى اقتصاد التمكين.
ولا ينبغي ان نغفل القطاع الخاص في هذه المعادلة، فالشراكة الثلاثية بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص يمكن ان تنتج نموذجا اكثر كفاءة من العمل المنفرد، الدولة تحدد الاولويات وتضع القواعد وتضمن العدالة، المجتمع المدني يصل الى المجتمعات ويحدد الاحتياجات وينفذ البرامج، والقطاع الخاص يقدم رأس المال والخبرة والتكنولوجيا وسلاسل القيمة.
وفي هذا الاطار يمكن اعادة تعريف المسؤولية المجتمعية للشركات. المسؤولية المجتمعية لا يجب ان تكون مجرد تبرع موسمي او حملة دعائية في شهر رمضان، وانما استثمار اجتماعي طويل الاجل يقاس بعائد اجتماعي واقتصادي واضح.
شركة تمول مدرسة فنية وتربطها بسوق العمل تحقق اثرا اكبر من شركة تقدم مساعدات عينية ليوم واحد. وشركة تستثمر في تدريب شباب منطقة صناعية ثم توظفهم تحقق قيمة اكبر من مجرد توزيع منح. ومؤسسة تشارك في مشروع لتدوير المخلفات وتحويلها الى نشاط اقتصادي تخلق اثرا بيئيا واجتماعيا واستثماريا في الوقت نفسه.
هذا هو الانتقال المطلوب من “العمل الخيري” الى “الاستثمار الاجتماعي”.
والتجربة المصرية يمكن ان تكون اكثر طموحا في هذا المجال من خلال تأسيس منصات قطاعية للشراكة، بحيث توجد منصة وطنية للصحة، واخرى للتعليم، واخرى للتشغيل، واخرى للمناخ، واخرى للتنمية الريفية، واخرى للتمكين الاقتصادي، تشترك فيها الوزارات المعنية والجهات الاهلية والقطاع الخاص والخبراء والجامعات. وتكون مهمة هذه المنصات تصميم المشروعات وليس مجرد تبادل البيانات.
وفي تقديري، فان احدى اهم الفرص غير المستغلة هي تحويل الجامعات ومراكز البحث الى حلقة وصل بين الدولة والمجتمع المدني. فالكثير من المبادرات المجتمعية تعاني من ضعف الدراسات وقياس الاثر، بينما تمتلك الجامعات المعرفة والباحثين والادوات العلمية. ويمكن بناء منظومة “بحث تطبيقي مجتمعي” تجعل الجامعات شريكا دائما في تصميم وتقييم المشروعات.
وهنا نصل الى نقطة شديدة الحساسية: التمويل، فالتمويل هو احد اكثر عناصر العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني حساسية، ليس فقط بسبب قيمته، وانما بسبب ارتباطه بالاستقلالية والشفافية والامن القومي، ومن الخطأ النظر الى التمويل الخارجي باعتباره خطرا في ذاته، كما ان من الخطأ اعتباره حقا مطلقا بلا قواعد. المعيار الصحيح هو الشفافية ومشروعية المصدر ووضوح الغرض وقابلية المراجعة وارتباط النشاط بالقانون والمصلحة العامة.
وتكشف البيانات الرسمية ان وزارة التضامن وافقت خلال عام 2024 على 1637 منحة للجمعيات الاهلية بقيمة تجاوزت 14.5 مليار جنيه، مقابل 1186 منحة بقيمة تجاوزت 5.5 مليار جنيه في 2023،وهذه الارقام تؤكد ان التمويل ليس مسألة هامشية، بل عنصر مؤثر في قدرة القطاع الاهلي على العمل.
لكن المستقبل لا ينبغي ان يبنى على المنح وحدها، المجتمع المدني الذي يريد الاستدامة يحتاج الى نماذج تمويل مستدامة، تشمل الوقف التنموي، والاستثمار الاجتماعي، والمشروعات المدرة للدخل، والشراكات مع القطاع الخاص، وصناديق المسؤولية المجتمعية، والتمويل القائم على النتائج.
فالمنظمة التي تنفق كل عام ما تحصل عليه من منح دون ان تبني اصلا مؤسسيا او مصدرا مستداما للدخل تظل معرضة للتوقف بمجرد تغير اولويات الممول، اما المنظمة التي تبني جزءا من تمويلها على اصول ومشروعات انتاجية منضبطة، وتستخدم عوائدها لتمويل نشاطها الاجتماعي، فتكون اكثر استقلالا واكثر قدرة على الاستمرار.
وهنا يمكن لمصر ان تفكر في نموذج وطني لصناديق الاستثمار الاجتماعي، توجه جزءا من رؤوس اموالها الى مشروعات ذات عائد اقتصادي واجتماعي، مثل الرعاية الصحية، التعليم الفني، الطاقة النظيفة، تدوير المخلفات، الزراعة الذكية، الخدمات الرقمية، والمشروعات الصغيرة في المناطق الاكثر احتياجا.
كما يجب ان ننتقل من قياس حجم الانفاق الى قياس حجم الاثر، فكم اسرة خرجت من دائرة الاحتياج؟ كم شابا حصل على وظيفة مستقرة؟ كم مشروع صغير استمر بعد عامين؟ كم فتاة حصلت على دخل مستقل؟ كم مدرسة تحسن اداؤها؟ كم فدان استفاد من تقنية زراعية جديدة؟ كم طن مخلفات جرى اعادة تدويره؟ كم متر مكعب من المياه تم توفيره؟
هذه هي الاسئلة التي يجب ان تدخل الى قاموس العمل الاهلي، فالمجتمع المدني لا يحتاج الى مزيد من الشهادات والصور والاحتفالات بقدر ما يحتاج الى مؤشرات اثر.
والدولة بدورها لا تحتاج الى مزيد من التقارير الانشائية، بل الى لوحات قياس حقيقية تستطيع من خلالها معرفة اي البرامج نجح وايها لم ينجح ولماذا.
ومن هنا تأتي اهمية التحول الرقمي. يمكن انشاء منصة وطنية موحدة للشراكة المجتمعية، تضم بيانات الجمعيات ومجالات عملها ونطاقها الجغرافي ومشروعاتها ومؤشرات ادائها ومصادر تمويلها والجهات التي تتعاون معها، مع مراعاة القواعد القانونية وحماية البيانات، هذه المنصة يمكن ان تتحول الى سوق منظمة للشراكات، تعرض الدولة من خلالها احتياجاتها التنموية، وتعرض المنظمات قدراتها، ويعرض القطاع الخاص فرص الاستثمار الاجتماعي، ثم يجري تقييم النتائج بصورة دورية.
مثل هذه المنصة ستعيد صياغة العلاقة من علاقة رأسية الى شبكة تعاون افقية اكثر مرونة وكفاءة، وهذا النموذج له اهمية خاصة في المحافظات الحدودية والنائية. فالدولة تحتاج هناك الى شركاء محليين يفهمون طبيعة المجتمعات وخصوصياتها، بينما تحتاج الجمعيات الى الدعم الفني والمالي والمؤسسي، وفي ملفات مثل مكافحة الهجرة غير النظامية، والتغير المناخي، وحماية الموارد المائية، والتنمية الزراعية، ورفع الوعي، يمكن للمجتمع المدني ان يكون اداة وقاية مبكرة وليس مجرد جهة تدخل بعد وقوع المشكلة.
كما ان المجتمع المدني المصري يمكن ان يمتلك دورا اكبر في الدبلوماسية الشعبية والافريقية.
هذه نقطة شديدة الاهمية بالنسبة لمصر التي تتحرك في قارة يتجاوز سكانها 1.5 مليار نسمة وتملك فرصا اقتصادية وتنموية هائلة. البنك الافريقي للتنمية يتوقع نمو الاقتصاد الافريقي بنحو 4.2% في 2026، بعد نمو قدره 4.4% في 2025، مع وجود 22 اقتصادا افريقيا حققت او يتوقع لها معدلات نمو تتجاوز 5% في 2025.
وفي المقابل، لا تزال التجارة البينية الافريقية عند مستويات اقل كثيرا من الطموح القاري، ووفقا لتقرير الاتحاد الافريقي، بلغت حصة الصادرات البينية الافريقية 14.6% فقط من اجمالي صادرات القارة في 2024، كما بلغ عدد الدول التي صدقت على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الافريقية 49 دولة بحلول اغسطس 2025، مع 25 دولة اعلنت جاهزيتها للتجارة، وبلغت نسبة قواعد المنشأ المتفق عليها 92.43%.
هذه الارقام تعني ان افريقيا لا تزال في مرحلة بناء سوقها الموحدة، وان مصر لا ينبغي ان تنظر الى افريقيا باعتبارها مجموعة اسواق منفصلة، بل باعتبارها منظومة اقتصادية قارية تتشكل تدريجيا.
وهنا يمكن للمجتمع المدني المصري ان يصبح جزءا من البنية الناعمة للحضور المصري في افريقيا، من خلال الجامعات ومراكز الدراسات والاتحادات المهنية والغرف التجارية والمنظمات الشبابية والنسائية والمنظمات التنموية، فالعلاقات بين الدول لا تصنعها الحكومات وحدها، الحكومات تفتح الابواب، لكن المجتمعات هي التي تجعل العلاقات قابلة للحياة والاستمرار.
نحتاج الى شبكات مصرية افريقية للجامعات، ولرواد الاعمال، وللمنظمات الاهلية، وللشباب، وللمرأة، وللنقابات المهنية، وللباحثين، وللمبادرات التنموية. نحتاج الى تعاون يتجاوز الصورة التقليدية للمساعدات الى بناء مشروعات مشتركة تنتج معرفة وفرصا واسواقا ومصالح متبادلة.
وهذا بالضبط ما يمكن ان نسميه “الدبلوماسية المجتمعية”.
الدبلوماسية المجتمعية ليست بديلا عن الدبلوماسية الرسمية، لكنها توسع مجالها وتمنحها جذورا اجتماعية واقتصادية، وكلما زادت المصالح المباشرة بين الشعوب، اصبحت العلاقات السياسية اكثر قدرة على مقاومة الازمات والتقلبات.
لكن الشراكة لا تخلو من تحديات، فهناك تحدي البيروقراطية، وتحدي ضعف القدرات المؤسسية، وتفاوت مستويات الحوكمة، وضعف نظم قياس الاثر، وعدم انتظام قواعد البيانات، ومحدودية التمويل المستدام، واحيانا تداخل الادوار بين المؤسسات، وهناك ايضا خطر اختزال المجتمع المدني في عدد من الكيانات الكبيرة وترك القاعدة الواسعة من الجمعيات المحلية دون تطوير.
وهناك تحد اخر اكثر عمقا، يتعلق بالثقة، فالثقة لا تصدر بقرار اداري، ولا تبنى بالتصريحات، الثقة تتشكل من تراكم الممارسات. عندما تعرف الدولة ان المنظمة الاهلية تعمل وفقا للقانون وتفصح عن مصادر تمويلها وتقيس نتائجها، وعندما تعرف المنظمة ان الدولة توفر قواعد واضحة ومستقرة ولا تتعامل معها بمنطق الاشتباه المسبق، وعندما يعرف المواطن ان اموال التبرعات تصل الى مستحقيها، تبدأ دائرة الثقة في الاتساع.
لذلك فان الشراكة الحقيقية تحتاج الى “عقد ثقة مؤسسي” بين الدولة والمجتمع المدني.
هذا العقد يجب ان يقوم على اربعة مبادئ لا غنى عنها: وضوح القواعد، استقلالية المسؤولية، شفافية التمويل، وقابلية قياس الاثر.
ومن المهم ايضا ان نعيد تعريف مفهوم الاستقلالية، استقلال المجتمع المدني لا يعني القطيعة مع الدولة، كما ان الشراكة مع الدولة لا تعني ذوبان المجتمع المدني فيها، المجتمع المدني القوي هو الذي يستطيع ان يتعاون مع الدولة عندما تتوافق الاولويات، وان يقدم الرأي المختلف عندما يرى خللا، وان يقترح البدائل عندما تكون هناك مشكلة، وان يعمل في اطار القانون دون ان يتحول الى نسخة اخرى من الجهاز الحكومي.
وبالمقابل، الدولة القوية ليست التي تخشى من مجتمع مدني قوي، بل التي تستطيع استيعاب قوته وتوجيهها نحو الصالح العام دون مصادرة استقلاله.
وهذه ربما هي المعادلة الاصعب والاكثر اهمية، فالدولة التي تريد مجتمعا مدنيا ضعيفا ستجد نفسها مضطرة دائما الى توسيع اجهزتها لتعويض غياب الفاعلين المجتمعيين، والمجتمع المدني الذي يريد دولة ضعيفة يكتشف في النهاية ان غياب الدولة لا يخلق مجتمعا قويا، بل يخلق فراغا تتنافس على ملئه قوى مختلفة، اما المعادلة الصحيحة فهي دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع مدني قوي بمؤسساته، وقطاع خاص قوي باستثماراته، وكل طرف يعرف حدوده ومسؤولياته ومجالات تكامله مع الاخر.
ومن هنا، فان المرحلة المقبلة تحتاج في مصر الى الانتقال من مفهوم “التعاون مع المجتمع المدني” الى مفهوم “حوكمة الشراكة مع المجتمع المدني”.
والفرق ليس لغويا، فنحن نحتاج الى استراتيجية وطنية للشراكة المجتمعية تحدد المجالات ذات الاولوية، وآليات اختيار الشركاء، ومعايير الاعتماد والجودة، ونظم التمويل، ومؤشرات قياس الاثر، وقواعد تبادل البيانات، وآليات فض النزاعات، ومراجعة النتائج.
كما نحتاج الى تصنيف مؤسسي للمنظمات الاهلية وفقا للقدرة والكفاءة، لا بهدف الاقصاء، وانما بهدف معرفة من يستطيع تنفيذ مشروع وطني كبير، ومن يحتاج الى بناء قدرات، ومن يملك خبرة قطاعية، ومن يملك انتشارا جغرافيا، ومن يمتلك قدرات بحثية او تدريبية.
والاهم من ذلك كله، ان نضع الشباب في قلب هذه المعادلة.
الشباب ليسوا فقط فئة مستهدفة في برامج المجتمع المدني، بل يمكن ان يكونوا منتجين لهذه البرامج وقادة لها، والقارة الافريقية نفسها تؤكد حجم التحدي؛ فوفقا للبنك الدولي، تحتاج افريقيا الى خلق نحو 25 مليون وظيفة سنويا حتى عام 2050 لاستيعاب النمو في قوة العمل، بينما ما زال اكثر من 80% من التشغيل في القارة غير رسمي.
وهذا يعني ان الاستثمار في الشباب ليس ملفا اجتماعيا منفصلا، بل هو ملف اقتصادي وامني وسياسي في الوقت نفسه.
وفي مصر، يمكن للمجتمع المدني ان يتحول الى حاضنة ضخمة للقيادات المحلية الجديدة، من خلال برامج التدريب السياسي والمدني والاداري، ومبادرات المشاركة المحلية، ومشروعات ريادة الاعمال، وبرامج القيادة الشبابية، ومختبرات السياسات العامة، وربط الشباب بالمؤسسات المنتجة.
وهنا تتقاطع الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني مع قضية بناء الجمهورية الجديدة بمعناها الاوسع: جمهورية لا يكون المواطن فيها متلقيا للخدمة فقط، وانما شريكا في تصميمها وتقييمها وتطويرها.
والدولة الحديثة لا تقاس فقط بحجم ما تنفقه، بل بقدرتها على تعبئة المجتمع حول اهدافها. والمجتمع القوي لا يقاس فقط بعدد الجمعيات المسجلة، بل بقدرته على تحويل التنظيم الاجتماعي الى اثر تنموي، والاقتصاد القوي لا يقاس فقط بمعدلات النمو، بل بقدرته على تحويل النمو الى فرص ومداخيل وقدرات.
لهذا فان الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني ليست ملفا اجتماعيا ضيقا، وليست امتيازا تمنحه الدولة لبعض المؤسسات، وليست ايضا مساحة للمجتمع المدني لكي ينافس مؤسسات الدولة، انها احد المسارات التي يمكن من خلالها اعادة توزيع ادوار التنمية بكفاءة اكبر، بحيث لا تتحمل الدولة وحدها كل شيء، ولا يترك المجتمع وحده في مواجهة المشكلات، ولا يعمل القطاع الخاص بعيدا عن الاحتياجات الحقيقية للمجتمع.
نحن امام فرصة لاعادة بناء مفهوم العمل العام نفسه، من العمل الخيري الى التنمية، ومن التنمية الى التمكين، ومن التمكين الى المشاركة، ومن المشاركة الى الشراكة، ومن الشراكة الى صناعة السياسات.
وهذا هو التطور الطبيعي الذي يجب ان نسعى اليه، وفي تقديري، فان مصر تملك المقومات اللازمة لبناء نموذج اقليمي متقدم في هذا المجال: كتلة سكانية كبيرة، وشبكة واسعة من الجمعيات والمنظمات، وقطاع خاص متنام، وجامعات ومراكز بحثية، وتجربة متراكمة في برامج الحماية الاجتماعية والتنمية المحلية، واطار تشريعي ومؤسسي يتطور تدريجيا.
لكن تحويل هذه المقومات الى قوة تنموية حقيقية يحتاج الى ارادة مؤسسية تخرج بالشراكة من اطار المبادرات المتفرقة الى اطار الاستراتيجية الوطنية.
فالمشكلة ليست في نقص الشركاء، وانما في غياب منظومة تجمعهم، وليست في ندرة الافكار، وانما في ضعف تحويل الافكار الى مؤسسات وبرامج قابلة للقياس، وليست في نقص الموارد وحده، وانما في كيفية توجيه الموارد الى حيث يكون اثرها اكبر.
وفي النهاية، فان الدولة التي تعرف كيف تشارك مجتمعها، لا تتنازل عن قوتها، بل تضاعفها. والمجتمع المدني الذي يعرف كيف يشارك دولته، لا يفقد استقلاله، بل يكتسب تأثيرا اوسع، والقطاع الخاص الذي يفهم مسؤوليته الاجتماعية بوصفها استثمارا في الاستقرار والانتاج، لا يتبرع من ارباحه فقط، بل يستثمر في مستقبل السوق نفسه.
هذه هي المعادلة التي نحتاجها في مصر: دولة قوية، ومجتمع مدني مؤسسي، وقطاع خاص مسؤول، ومواطن فاعل.
وعندما تلتقي هذه الدوائر الثلاث حول هدف واحد، تصبح التنمية اكبر من برنامج حكومي، والعمل الاهلي اكبر من جمعية، والمسؤولية المجتمعية اكبر من تبرع، والسياسة العامة اكبر من قرار يصدر من مكتب.
عندها فقط تتحول الشراكة من كلمة جميلة في الوثائق الى قوة حقيقية في بنية الدولة والمجتمع.