الاقتصاد

قناة السويس”.. ممر افريقيا الي العالم» رامي زهدي خبير الشؤون الإفريقية

شارك المقال:
قناة السويس”.. ممر افريقيا الي العالم»  رامي زهدي خبير الشؤون الإفريقية

«”قناة السويس”.. ممر افريقيا الي العالم»

رامي زهدي خبير الشؤون الإفريقية

خاص – موقع تايمر نيوز

لطالما شكّلت قناة السويس إحدى أهم الشرايين الحيوية في الاقتصاد العالمي، ونقطة ارتكاز استراتيجية في حركة التجارة الدولية، لكنها اليوم تبرز أيضًا بوصفها محركًا رئيسًا لمستقبل التكامل الإفريقي في مجالات النقل والربط اللوجستي، لا سيما في ظل تحولات جيوسياسية وملاحية كبرى، وصعود لأفريقيا كقارة الفرص والتنمية.

لكنها اليوم أكثر من أي وقت مضي، يمكن لها أن تصبح المنصة اللوجستية الأهم في مشروع الاندماج الاقتصادي الإفريقي، بينما تمتلك مصر المقومات لتكون حلقة الوصل بين إفريقيا والعالم.

تُعد قناة السويس أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، حيث يمر عبرها حوالي 12-15% من حجم التجارة العالمية، وأكثر من 22% من تجارة الحاويات العالمية، وفق بيانات هيئة قناة السويس.

وحققت القناة إيرادات قياسية بلغت 9.4 مليار دولار في العام المالي 2022/2023، رغم التحديات الدولية المتصاعدة. هذا النجاح لم يأت فقط من موقع القناة الجغرافي، بل من تطور بنيتها التحتية، خاصة بعد افتتاح “قناة السويس الجديدة” عام 2015.، حتي مع الظروف الدولية الصعبة في العامين الماضي 2024 والحالي 2025 تقف القناة صامدة في مواجهة كل التحديات.

لكن الأهم من ذلك، أن الحكومة المصرية بدأت بالفعل منذ عام 2016 في تنفيذ “رؤية تنموية شاملة” لتحويل محيط القناة إلى مركز عالمي للخدمات اللوجستية والصناعات التكاملية، وهو ما يُعد مدخلًا استراتيجيًا لتفعيل دور مصر في مشروع التكامل الإفريقي، حيث أن موقع مصر الجيوسياسي يمثل قاعدة ربط قارية بطبيعتها، فتتمتع مصر بموقع فريد عند نقطة التقاء ثلاث قارات، وعلى مفترق طرق التجارة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، ما يمنحها مزايا استراتيجية هائلة، بداية من الجنوب، تمتد علاقات مصر نحو حوض النيل والقرن الإفريقي والبحيرات العظمى.، وغربًا، تفتح مصر بوابة الربط مع دول شمال وغرب إفريقيا عبر الطرق البرية والنقل البحري، شرقًا، تشكل القناة نقطة وصل بحرية بين شرق إفريقيا والخليج وآسيا، بينما شمالًا، تطل مصر على أوروبا عبر البحر المتوسط، مع موانئ رئيسية مثل الإسكندرية ودمياط.

ومن خلال قناة السويس، يمكن لمصر أن تقود مشروع الربط اللوجستي العابر للقارة، وتعمل على إنشاء محور نقل قاري يربط بين الموانئ الإفريقية شرقًا وغربًا وجنوبًا، ويُسرّع من تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA).

وهناك عدد من المشروعات الوعدة للربط القاري التي ترتكز على قناة السويس، بداية من مشروع طريق القاهرة – كيب تاون، وهو أحد أهم مشروعات الربط القاري، بطول 10,288 كم، يمر عبر 9 دول إفريقية، ويربط شمال القارة بجنوبها. ويعد هذا الطريق العمود الفقري للنقل البري الإفريقي، ويمر في مرحلته الأولى عبر محور السويس – القاهرة، كذلك ميناء العين السخنة كمحطة لوجستية قارية، والذي جري تطويره ليكون أكبر ميناء محوري على البحر الأحمر، ومركزًا لإعادة التصدير لدول شرق ووسط إفريقيا.

أيضا، الربط السككي المصري السوداني، عبر مشروع بدأ تنفيذه فعليًا، بتمويل مصري، ويُعد نقطة انطلاق حيوية لإنشاء شبكة سكك حديدية إفريقية مترابطة، تمتد لاحقًا إلى تشاد والنيجر وچيبوتي وكينيا، وكذلك. خط ممر التجارة الدولي (TTI) ومشروع مصري مقترح للربط بين ميناء العين السخنة وميناء جيبوتي، لتوفير أقصر طريق بري – بحري لتجارة شرق إفريقيا.

“فرص التكامل الاقتصادي الإفريقي من خلال القناة”

تتمثل الفرص الكبرى في خفض تكاليف النقل، حيث تشير تقارير الاتحاد الإفريقي إلى أن تكاليف الشحن داخل إفريقيا تفوق نظيرتها في أوروبا وآسيا بنسبة 30-50%، نتيجة ضعف البنية التحتية والربط اللوجستي. وهنا يأتي دور القناة كمنصة لتجميع وإعادة توزيع البضائع.

وأيضا إمكانية تحفيز التجارة البينية، حيث أنه ووفق بيانات البنك الإفريقي للتنمية، لا تتعدى التجارة البينية الإفريقية 15% من إجمالي تجارة القارة، مقابل أكثر من 60% في أوروبا. وبالتالي تطوير منظومة لوجستية إفريقية متمركزة في مصر يمكن أن يرفع النسبة إلى 30% بحلول 2030.

كذلك جذب الاستثمارات اللوجستية والصناعية، فمع وجود مناطق صناعية كبرى حول القناة (شرق بورسعيد، العين السخنة، وادي التكنولوجيا بالإسماعيلية)، يمكن للقناة أن تُحول إلى منطقة جذب للمصانع الإفريقية الراغبة في التصدير للأسواق العالمية وايضا المصانع الأسيوية وخاصة الصينية لتكون نقطة تصنيع وشحن للعالم كله خاصة تنامي حربا وصراعا تجاريا عالميا الأن وكذلك مع ارتفاع تكاليف الشحن وتأمين النقل البحري من اسيا لأوروبا والأمريكتين.

كذلك مركز تجميع وتخزين وتوزيع للمساعدات الإنسانية والغذائية، فقناة السويس يمكن أن تستضيف “المنصة الإفريقية للطوارئ”، خاصة في ظل التغيرات المناخية والصراعات التي تضرب دول الساحل وشرق إفريقيا والشرق الأوسط.

لكن، ورغم الفرص الكبيرة، ثمة تحديات تحتاج لمعالجة عاجلة، منها، تفاوت البنية التحتية الإفريقية، فبعض الدول تفتقر لطرق ممهدة أو سكك حديد، مما يعوق التكامل.، وضعف الإطار التنظيمي والجُمركي:، فما زالت القيود الجمركية تعطل مرور البضائع داخل القارة، في ظل غياب منظومة نقل موحدة، فلا تزال أنظمة النقل بين دول القارة مجزأة تقنيًا وتشريعيًا، كل هذا بخلاف الضغوط الجيوسياسية الدولية في المنطقة بما يؤثر علي القناة.

“توصيات استراتيجية لمصر”

يمكن اقتراح عدد من التوصيات في ضوء دور مصر الريادي ومسؤوليتها تجاه القارة والعالم، منها، إمكانية تأسيس وقيادة إنشاء “التحالف الإفريقي للنقل واللوجستيات” برعاية الاتحاد الإفريقي، على غرار التحالفات البنكية أو الزراعية.

والعمل بتركيز علي جذب الاستثمار في “المنصة اللوجستية الإفريقية المتكاملة” بمنطقة قناة السويس، كمركز لتجميع وإعادة تصدير السلع الإفريقية.

وأيضا ربط مشاريع القناة بمشاريع الربط الطاقوي (مثل ربط شبكات الكهرباء وخطوط الغاز بين الدول الإفريقية).

وتعميق التكامل الرقمي من خلال إنشاء بوابة إلكترونية موحدة تربط بين الموانئ الإفريقية وقطاع النقل المصري.

وكذلك تعزيز الشراكات الثلاثية (مصر – إفريقيا – شركاء دوليين) لتمويل مشروعات الربط، مثل الشراكة المصرية مع الصين في مبادرة الحزام والطريق، أو التعاون مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار.

أخيراََ، قناة السويس ليست فقط ممرًا ملاحيًا عالميًا، بل باتت تمتلك كافة المقومات لأن تتحول إلى “نقطة الارتكاز اللوجستية للقارة الإفريقية”. وسوف يظل التكامل الإفريقي في النقل واللوجستيات حلمًا حتي يتحقق، ومصر – عبر قناة السويس ومشروعاتها القارية – تمتلك اليوم فرصة تاريخية لتقود هذا التحول، وتُعيد رسم خريطة التجارة الإفريقية بعقلية تكاملية، وشراكة مستدامة مع الشعوب الإفريقية.

مؤتمر التامين

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀