الاقتصاد

«صعود طبقة المليونيرات في إفريقيا.. ظاهرة تنموية ام طفرة اقتصادية

شارك المقال:
«صعود طبقة المليونيرات في إفريقيا.. ظاهرة تنموية ام طفرة اقتصادية

«صعود طبقة المليونيرات في إفريقيا.. ظاهرة تنموية ام طفرة اقتصادية»

رامي زُهدي – خبير في الشؤون الإفريقية ومساعد رئيس حزب الوعي للشؤون الإفريقية

لم تعد القارة الإفريقية تلك التي تُروى عنها الحكايات من منظور الفقر والحرمان فقط، بل باتت قارة العحائب في أوضح صورها، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه أزمات الغذاء والمياه والتعليم في بعض أرجائها، نرصد صعودًا متسارعًا لطبقة من الأثرياء الجدد والمليونيرات الذين بدأوا يُشكلون مشهدًا اقتصاديًا جديدًا يثير التساؤلات أكثر مما يقدم الإجابات، هل يمثل هذا الثراء علامة على تحول اقتصادي حقيقي وبنية إنتاجية جديدة؟ أم أنه مجرد فقاعة مالية عابرة ناتجة عن طفرة في القطاعات الريعية وأسواق المال والعقار، ستنكشف حين تهدأ رياح النمو العالمي؟

من واقع متابعتي الطويلة للشأن الإفريقي، يمكن القول إن ظاهرة اتساع طبقة المليونيرات هي مؤشر مزدوج الدلالة: فهي من جهة تعكس نجاح بعض الاقتصادات الإفريقية في خلق ثروات وفرص جديدة عبر التكنولوجيا، الطاقة، الخدمات، والتمويل، لكنها من جهة أخرى تُبرز فجوة التفاوت الطبقي غير المسبوقة في تاريخ القارة الحديث، بما يجعلها مرآة للتحدي الأهم الذي يواجه إفريقيا اليوم: كيف يمكن تحويل الثروة إلى تنمية؟

وفقًا لأحدث تقرير صادر عن مؤسسة Henley & Partners في عام 2025، بلغ عدد المليونيرات في إفريقيا نحو 195 ألف مليونير يمتلكون ثروات تزيد عن مليون دولار لكل منهم، مقارنة بنحو 145 ألفًا فقط قبل خمس سنوات، أي أن القارة شهدت زيادة تُقدَّر بأكثر من 35% في عدد الأثرياء خلال فترة قصيرة نسبيًا، اللافت أن هذه الزيادة جاءت في فترة اتسمت عالميًا بعدم اليقين، حيث ضربت جائحة كورونا الاقتصاد العالمي ثم تبعتها اضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء بفعل الحرب في أوروبا، وتراجع تدفقات الاستثمار في الأسواق الناشئة.

ومع ذلك، استطاعت بعض الدول الإفريقية أن تُحول الأزمات إلى فرص، فجنوب إفريقيا ما زالت تتصدر قائمة الأثرياء في القارة بنحو 37 ألف مليونير، تليها مصر التي بلغ عدد أصحاب الثروات العالية فيها نحو 15 ألفًا، ثم نيجيريا بنحو 12 ألفًا، تليها كينيا والمغرب برقم يقترب من 8 آلاف مليونير لكل منهما، غير أن التوقعات المستقبلية تشير إلى أن موريشيوس ورواندا وناميبيا ستشهد أعلى معدلات نمو في أعداد الأثرياء خلال الأعوام الخمسة المقبلة، بفضل سياساتها الضريبية الجاذبة والاستقرار النسبي في بيئتها الاستثمارية.

لكن وراء هذه الأرقام تكمن قصة أكثر تعقيدًا: فبينما تتسع دائرة الثروة في المدن الكبرى مثل جوهانسبرج والقاهرة ولاجوس ونيروبي والدار البيضاء، ما زال أكثر من 430 مليون إفريقي يعيشون تحت خط الفقر وفق بيانات البنك الدولي لعام 2024 أي أن اتساع طبقة المليونيرات لم يصحبه بعدُ توسع مماثل في الطبقة الوسطى، وهي المفصل الحقيقي في أي تحول اقتصادي مستدام.

وحين نتتبع مسار تكوين الثروة في إفريقيا، نكتشف أن مصادرها تشهد تحولًا نوعيًا، فبعد أن كانت تعتمد لعقود على الموارد الطبيعية مثل النفط والذهب والماس، أصبحنا اليوم أمام قطاعات جديدة تُنتج الأثرياء بوتيرة متصاعدة.

قطاع التكنولوجيا المالية، على سبيل المثال، قفز قفزات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في كينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، حيث أصبحت تطبيقات الدفع الإلكتروني والتحويلات الرقمية محركًا رئيسيًا للثروات الجديدة، وتُقدر الاستثمارات في هذا القطاع بما يتجاوز 5 مليارات دولار سنويًا، وهو رقم يعكس حيوية الاقتصاد الرقمي في القارة.

في المقابل، ما زالت الثروات العقارية تشكّل قاعدة مهمة لطبقة المليونيرات، خصوصًا في مصر وجنوب إفريقيا والمغرب، حيث شهدت أسواق العقارات الفاخرة نموًا يفوق 12% سنويًا خلال الفترة من 2020 إلى 2024،أما قطاع الطاقة وخاصة الطاقة المتجددة فقد جذب استثمارات خليجية وصينية وأوروبية ضخمة، فتكوّنت من خلاله ثروات جديدة حول مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية في المغرب ومصر وناميبيا.

لكن لا يمكن إغفال دور الأنشطة الريعية والمضاربات المالية، التي خلقت ثروات سريعة لكنها غير إنتاجية بالمعنى الحقيقي، هذه الأنشطة وإن كانت تُظهر مؤشرات نمو ظاهرية، إلا أنها تُخفي في جوهرها هشاشة بنيوية، لأن المال فيها لا يُعاد تدويره داخل الاقتصاد المنتج بل يُوجَّه نحو الاستهلاك أو الأسواق الخارجية.

من الظواهر اللافتة أيضًا أن صعود الأثرياء في إفريقيا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية التحضر السريع، فالقارة تُعد الأسرع نموًا من حيث عدد سكان المدن، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 60% من سكان إفريقيا سيعيشون في المدن بحلول عام 2050،هذه الموجة العمرانية خلقت فرصًا ضخمة في مجالات البناء والتمويل العقاري والتطوير الحضري، وأسهمت في بروز رجال أعمال جدد.

ويبرز هنا النموذج المصري، حيث مثّل مشروع العاصمة الإدارية الجديدة نموذجًا ملهمًا في إدارة التنمية الحضرية وتحويل الرؤية إلى واقع استثماري جاذب، ما جعل خبرات مصر في بناء المدن الجديدة مطلوبة إفريقيًا، كما ظهر مؤخرًا في التعاون بين القاهرة وأنتاناناريفو لبناء العاصمة الجديدة لمدغشقر، إن هذه النماذج لا تخلق فقط بنية تحتية، بل تصنع أيضًا طبقة من المستثمرين والمطورين المحليين الذين أصبحوا جزءًا من شبكة المليونيرات الأفارقة الجدد.

في المقابل، لا يمكن تجاهل الجانب المظلم لهذه الظاهرة، وهو التفاوت الصارخ في توزيع الثروة. فبحسب Credit Suisse Global Wealth Report 2024، يمتلك أغنى 1% من الأفارقة أكثر من 45% من ثروات القارة، بينما يتقاسم النصف الأفقر أقل من 10% من الثروة الإجمالية، هذا الخلل في العدالة الاقتصادية يُنذر بتحديات اجتماعية وسياسية خطيرة، خصوصًا في الدول التي تشهد هشاشة في مؤسساتها أو ضعفًا في شبكات الحماية الاجتماعية.

وهنا تبرز المخاوف من تحوّل الثراء السريع إلى فقاعة مالية، فحين تتركز الثروات في قطاعات غير إنتاجية، وحين تُضخ الأموال في العقارات والأسواق المالية دون أن يقابلها نمو حقيقي في الصناعة أو الزراعة أو التعليم، فإن النتيجة تكون أشبه بفقاعة تتضخم فوق أرض رخوة، ولنا في تجربة جنوب إفريقيا مثال قريب؛ إذ رغم تفوقها في عدد المليونيرات، إلا أن معدل البطالة فيها تجاوز 32% عام 2024، وهو من أعلى المعدلات عالميًا.

الخطورة لا تكمن فقط في هشاشة النمو، بل في احتمالات انفجار التفاوت الاجتماعي الذي قد يُعيد القارة إلى دوامة الاضطرابات، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس عن عدد المليونيرات، بل عن قدرتهم على أن يكونوا جزءًا من مشروع تنموي جامع لا مجرد طبقة معزولة عن واقعها الاجتماعي.

من المثير للاهتمام أن صعود الأثرياء الأفارقة ترافق مع تحولات في أنماط الحياة والثقافة الاستهلاكية، فقد أصبحت المدن الإفريقية الكبرى موطنًا لأسواق الرفاهية العالمية، من السيارات الفارهة إلى الماركات العالمية والعقارات السياحية الفاخرة، لكن هذا التحول الثقافي لا يخلو من التناقض، إذ يضعف الروابط المجتمعية التقليدية ويُعيد تشكيل مفهوم الانتماء الطبقي، خصوصًا بين الأجيال الشابة التي تنظر إلى الثروة بوصفها وسيلة للهوية الاجتماعية لا مجرد غاية اقتصادية.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تضخيم صورة الثراء، فصار كثير من الأثرياء الجدد يحرصون على إبراز مظاهر الرفاه بدلاً من الاستثمار في المبادرات التنموية، وهذا ما يجعلني أرى أن التحدي الأكبر أمام إفريقيا اليوم ليس فقط في إدارة الثروة، بل في إعادة تعريف دورها المجتمعي، بحيث تكون أداة للتمكين الجماعي لا وسيلة للتمايز الطبقي.

لا يمكن فصل ظاهرة الثراء عن السياسة، فمعظم الاقتصادات الإفريقية ما زالت تتأثر بعلاقات السلطة وشبكات النفوذ، كثير من المليونيرات الجدد بنوا ثرواتهم في ظل بيئات يغلب عليها ضعف الشفافية أو احتكار العقود الحكومية أو تقاطع المصالح بين المال والسياسة، ومع ذلك فإن بعض الدول بدأت تشهد نماذج إصلاحية حقيقية، مثل رواندا وموريشيوس وغانا، حيث تتجه نحو تعزيز بيئة الأعمال الشفافة، وتسهيل تسجيل الشركات، وتطوير البنية القانونية لحماية المستثمرين.

إن مستقبل الثراء في إفريقيا سيتوقف على مدى قدرتها على بناء نظام اقتصادي أكثر عدالة وتنافسية، يُمكّن رواد الأعمال الشباب والنساء من دخول دائرة الثروة الإنتاجية. فالأرقام تشير إلى أن النساء يملكن أقل من 8% من الثروات الخاصة في القارة، وهو رقم يكشف خللًا بنيويًا في توزيع الفرص، لا يقل خطورة عن اختلال توزيع الدخل نفسه.

كخبير مصري في الشأن الإفريقي، أرى أن مصر تمتلك نموذجًا فريدًا في إدارة الثروة لصالح التنمية، فقد استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تربط بين النمو الاقتصادي والتحول الاجتماعي، من خلال مشروعات قومية كبرى خلقت فرص عمل ومجالات استثمار حقيقية، وليس فقط مظاهر مالية، ومن هنا فإن الدور المصري في القارة يمكن أن يمتد ليكون مرجعًا في إدارة الثروة لصالح المجتمع، عبر مبادرات التكامل الإفريقي، والتعاون في مجالات البنية التحتية، والتعليم الفني، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

ولعل ما تحتاجه إفريقيا اليوم ليس مزيدًا من الأثرياء، بل مزيدًا من الفرص التي تُحوّل الطاقة البشرية إلى ثروة منتجة. فالقارة التي تملك 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، وتضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، يمكن أن تكون مركز النمو القادم بشرط أن تُدار ثرواتها بعقل جماعي لا فردي، وبسياسات طويلة المدى لا بعقلية المكاسب السريعة.

إن صعود طبقة المليونيرات في إفريقيا يحمل دلالتين متناقضتين: فهو من جهة يعكس تحولات اقتصادية لا يمكن إنكارها، ومن جهة أخرى يكشف هشاشة النمو غير المتوازن، فالثراء الحقيقي ليس في تضاعف أعداد الأثرياء، بل في قدرة القارة على تحويل هذا الثراء إلى قيمة اجتماعية وتنموية تُعيد بناء المجتمعات على أسس من العدالة والاستدامة.

إن إفريقيا، وهي تدخل ربعها الثالث من القرن الحادي والعشرين، أمام خيار تاريخي إما أن تجعل من الثروة وسيلة للنهوض الجماعي، وإما أن تتحول إلى قارة منقسمة بين أقلية ثرية وغالبية مهمشة. وفي هذا السياق، أؤمن أن التكامل الإفريقي، وتعزيز دور القطاع الخاص المسؤول، وإشراك المجتمع المدني في منظومة التنمية، هي المفاتيح الحقيقية لتحويل المليونيرات من ظاهرة مالية إلى قوة اقتصادية اجتماعية تصنع المستقبل.

مؤتمر التامين

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀