الاقتصاد

التحالفات الدفاعية: هل يمكن تشكيل جيوش موحدة إفريقية أو عربية؟»

شارك المقال:
التحالفات الدفاعية: هل يمكن تشكيل جيوش موحدة إفريقية أو عربية؟»

«التحالفات الدفاعية: هل يمكن تشكيل جيوش موحدة إفريقية أو عربية؟»

رامي زُهدي خبير الشؤون الإفريقية السياسية والأقتصادية

منذ عقود، ظل حلم الوحدة الدفاعية حاضرًا في الخطاب السياسي لكلٍّ من العالمين العربي والإفريقي. تتباين التصورات بين من يراها ضرورة استراتيجية في ظلّ التهديدات المتنامية، ومن يعتبرها طموحًا بعيد المنال أمام تعقيدات السيادة الوطنية، وتضارب المصالح، والتباينات الجيوسياسية. وبين الحلم والواقع، تبقى الأسئلة الاستراتيجية مطروحة: هل يمكن حقًا تشكيل جيش موحّد، أو على الأقل إطار دفاعي مشترك فاعل في الفضاء العربي والإفريقي؟

في ظل السياق الراهن والتهديدات المشتركة، القارة الإفريقية والمنطقة العربية تواجهان تحديات متشابهة، فالإرهاب العابر للحدود في الساحل الإفريقي والصحراء، وحوض بحيرة تشاد، والقرن الإفريقي، إضافة إلى التهديدات الممتدة من “داعش” و”القاعدة” في شمال إفريقيا، وكذلك الصراعات الأهلية الممتدة في السودان وليبيا والكونغو الديمقراطية، والتي تخلق بيئة رخوة تسمح بتدخلات خارجية.

وأيضا الأمن المائي والغذائي، باعتباره عنصرًا استراتيجيًا لا يقل خطورة عن التهديدات العسكرية التقليدية.

إضافة إلي الوجود العسكري الأجنبي الكثيف في إفريقيا (أكثر من 13 قاعدة أمريكية، 5 قواعد فرنسية، إضافة إلى التواجد الروسي والتركي والإيراني والصيني)، والذي يعكس حجم التنافس الدولي على القارة.

ثم الطامة الكبري، الإعتداءات الإسرائيلية المستمرة علي دول المنطقة سوريا، العراق، لبنان، اليمن وأخيرا قطر، كل ذلك مع استمرار التصفية العرقية وجرائم الحرب ضد شعب فلسطين سواء في غزة او الضفة الغربية، وبالتالي فإن هذه التهديدات تدفع إلى التفكير في مقاربة جماعية بدلًا من الحلول الفردية التي أثبتت محدوديتها.

نجد نموذج الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، والذي علي الرغم من وحدة أوروبا اقتصاديًا، لم تستطع تشكيل جيش موحّد، لكنها طوّرت آليات دفاعية تكاملية تحت مظلة الناتو، وهو نموذج جدير بالتأمل.

وفي افريقيا ظهرت القوة الإفريقية الجاهزة (ASF) والتي أُعلن عنها منذ 2003 لتضم 5 قوات إقليمية قوامها 25 ألف جندي، لكن حتى اليوم لم تتجاوز كونها مشروعًا متعثرًا بسبب التمويل وضعف الإرادة السياسية.

وكذلك التحالف العربي في اليمن، والذي مثل تجربة عملية أبرزت القدرة على التنسيق العسكري بين جيوش عربية، لكنها كشفت أيضًا عن تحديات الاختلاف في الاستراتيجيات والقدرات.

الأمر ليس بالييسر، فمثلا السيادة الوطنية ما زالت تشكل العائق الأكبر، حيث تتحفظ الدول على التنازل عن صلاحيات عسكرية لصالح كيان جماعي.

وأيضا الفجوة في الإنفاق العسكري، مثلًا، تنفق الجزائر ومصر معًا ما يزيد على 20 مليار دولار سنويًا، بينما لا يتجاوز إنفاق عشرات الدول الإفريقية الأخرى 500 مليون دولار للفرد منها.

والتفاوت في الجاهزية فالجيش المصري من أكبر جيوش المنطقة (أكثر من 450 ألف جندي عامل، واحتياطي يتجاوز 800 ألف)، بإجمالي 1.4 مليون جندي بينما جيوش أخرى لا يتجاوز عددها 10 آلاف.

وكذلك البنية التحتية الدفاعية، حيث غياب الصناعات العسكرية المحلية في معظم الدول يجعلها رهينة الاستيراد من الخارج، ما يضعف القدرة على الاستقلالية الدفاعية.

لذلك تظل فكرة جيش موحد شامل حلم مثالي لكنه غير واقعي على المدى القريب بسبب تعقيدات السيادة والتباينات الاقتصادية.، وربما قوات إقليمية مشتركة. يمثل خيار أكثر واقعية، كإنشاء قوة عربية في البحر الأحمر وخليج عدن لمكافحة القرصنة والإرهاب البحري، أو قوة إفريقية في الساحل والصحراء.

وكذلك مراكز قيادة موحدة، حيث يمكن تطوير هياكل قيادة عسكرية إقليمية للتنسيق في التدريب والاستخبارات والمناورات.

وتكامل صناعي عسكري عبر تعزيز الشراكات في الصناعات الدفاعية، على غرار التعاون المصري-الإماراتي أو المصري-الجنوب إفريقي، لبناء قاعدة تسليح محلية تخدم التحالفات الدفاعية.

ومصر بحكم موقعها الجغرافي ووزنها العسكري والسياسي، قادرة على لعب دور قيادي في صياغة منظومة دفاعية عربية-إفريقية، عبر طرح مبادرات لإنشاء مراكز تدريب إقليمية مشتركة، وتعزيز الصناعات العسكرية المشتركة بالتعاون مع دول عربية وإفريقية، وأيضا دفع الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية نحو إعادة تفعيل معاهدات الدفاع المشترك المجمّدة منذ عقود.

التحالفات الدفاعية ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية في عالم تتغير معادلاته بسرعة، حيث لم تعد التهديدات الأمنية تقليدية فقط، بل شملت الأمن السيبراني والمائي والاقتصادي. تشكيل جيش موحّد قد يبدو بعيدًا، لكن بناء شبكات دفاعية إقليمية متكاملة يمثل الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية، ويؤسس تدريجيًا لبنية دفاعية موحدة مستقبلًا.

إنها مسؤولية سياسية وتاريخية تقع على عاتق صناع القرار في القارة الإفريقية والعالم العربي، لإدراك أن الأمن لا يتجزأ، وأن المستقبل لن يحميه سوى قوة جماعية رشيدة تنطلق من التكامل لا من التنافس.

مؤتمر التامين

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀