الاقتصاد

التأمين متناهي الصغر.. بوابة أفريقيا لتعزيز الشمول المالي وبناء اقتصاد أكثر مرونة

شارك المقال:
التأمين متناهي الصغر.. بوابة أفريقيا لتعزيز الشمول المالي وبناء اقتصاد أكثر مرونة

كتب سيد حسن 

يشهد قطاع التأمين متناهي الصغر في أفريقيا تحولًا نوعيًا، مدفوعًا بالتحول الرقمي، والتوسع في خدمات التكنولوجيا المالية، وتزايد الاهتمام الحكومي بتعزيز الشمول المالي وحماية الفئات الأكثر احتياجًا. وأصبح هذا النوع من التأمين أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول الأفريقية لدعم الفئات منخفضة الدخل، وصغار المزارعين، وأصحاب المشروعات متناهية الصغر، من خلال توفير مظلة حماية تأمينية بتكلفة مناسبة، تساعدهم على مواجهة المخاطر الصحية والزراعية والمناخية والاقتصادية.
وتواجه القارة الأفريقية تحديات تنموية متعددة، أبرزها اتساع حجم القطاع غير الرسمي، وارتفاع معدلات الفقر، وتزايد تأثيرات التغيرات المناخية، وهو ما يجعل التأمين متناهي الصغر ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتحويل المخاطر إلى فرص للنمو المستدام.
سوق واعد بمعدلات نمو متسارعة
تشير التقديرات إلى أن سوق التأمين متناهي الصغر في أفريقيا بلغ نحو 4.5 مليار دولار خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 8.4 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 7.01%.
ويعكس هذا النمو تزايد الطلب على المنتجات التأمينية منخفضة التكلفة، إلى جانب توسع الحكومات في تبني سياسات الشمول المالي، وتطور قنوات التوزيع الرقمية، خاصة عبر الهواتف المحمولة، التي أصبحت الوسيلة الأكثر انتشارًا للوصول إلى العملاء في المناطق الريفية والنائية.
التحول الرقمي يقود مستقبل القطاع
فرضت التكنولوجيا نفسها باعتبارها المحرك الرئيسي لنمو التأمين متناهي الصغر في أفريقيا، حيث أسهمت تطبيقات الهواتف المحمولة ومنصات الدفع الإلكتروني في تبسيط إجراءات الاكتتاب، وسداد الأقساط، وصرف التعويضات، بما أدى إلى خفض التكاليف التشغيلية، وتسريع تقديم الخدمات، وتعزيز ثقة العملاء.
وأصبحت خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، مثل M-PESA في كينيا، نموذجًا ناجحًا في دمج ملايين المواطنين داخل المنظومة التأمينية، خاصة العاملين في القطاع غير الرسمي وأصحاب المشروعات الصغيرة.
التأمين البارامتري… استجابة مبتكرة للمخاطر المناخية
ومن أبرز الاتجاهات الحديثة التي يشهدها السوق الأفريقي التوسع في التأمين البارامتري، الذي يعتمد على مؤشرات موضوعية، مثل معدلات سقوط الأمطار ودرجات الحرارة وبيانات الأقمار الصناعية، لتحديد استحقاق التعويضات بصورة تلقائية دون الحاجة إلى معاينات ميدانية.
ويمثل هذا النموذج حلاً عمليًا لصغار المزارعين، إذ يوفر تعويضات سريعة وشفافة عند حدوث الجفاف أو الفيضانات، ويعزز قدرتهم على الاستمرار في الإنتاج ومواجهة آثار التغيرات المناخية.
الشمول المالي يبدأ بالحماية التأمينية
أثبت التأمين متناهي الصغر أنه أحد أهم أدوات تحقيق الشمول المالي في أفريقيا، من خلال دمج ملايين العاملين في الاقتصاد غير الرسمي داخل المنظومة المالية، وتوفير حماية تأمينية تتناسب مع دخولهم المحدودة.
كما يسهم في تقليص فجوة الحماية التأمينية، عبر تصميم منتجات بسيطة ومنخفضة التكلفة، تلبي احتياجات الأسر محدودة الدخل وأصحاب المشروعات الصغيرة، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
تجارب أفريقية رائدة
نجحت عدة دول أفريقية في بناء نماذج ناجحة للتأمين متناهي الصغر، مستفيدة من التكنولوجيا والشراكات بين شركات التأمين ومؤسسات التمويل الأصغر ومشغلي الاتصالات.
ففي كينيا، ساهمت خدمات الهاتف المحمول في وصول المنتجات التأمينية إلى ملايين العملاء، مع التوسع في التأمين الزراعي والتأمين الصحي وتأمين تكاليف الجنازات.
أما جنوب أفريقيا، فتتصدر القارة من حيث معدل انتشار التأمين، مدفوعة بالطلب الكبير على وثائق تأمين الجنازات التي تمثل أحد أهم المنتجات التأمينية في السوق.
وفي نيجيريا، يشهد القطاع نموًا متسارعًا من خلال تقديم منتجات التأمين على الحياة والصحة وربطها بخدمات التمويل الأصغر والمدفوعات الرقمية، بينما حققت غانا وتنزانيا وأوغندا والسنغال نجاحات ملحوظة في دمج التأمين مع التمويل متناهي الصغر، وتطوير منتجات تستجيب لاحتياجات المزارعين والأسر منخفضة الدخل.
مصر… خطوات متسارعة نحو سوق أكثر شمولًا
شهد سوق التأمين المصري خلال العامين الماضيين طفرة تنظيمية كبيرة، في ضوء تطبيق أحكام قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024، الذي أرسى لأول مرة إطارًا تشريعيًا متكاملًا لتنظيم نشاط التأمين متناهي الصغر.
وأصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية عددًا من القرارات التنظيمية التي تستهدف تبسيط إجراءات الترخيص، وتطوير المنتجات، والتوسع في قنوات التوزيع الرقمية، مع إلزام الشركات بسرعة البت في المطالبات وصرف التعويضات خلال مدد زمنية محددة.
كما رفعت الهيئة الحد الأقصى للتغطية التأمينية، بما يعزز قدرة أصحاب المشروعات متناهية الصغر والحرفيين والعاملين بالقطاع غير الرسمي على الحصول على حماية تأمينية تتناسب مع طبيعة المخاطر التي يواجهونها.
ورغم هذا التطور، لا يزال رفع الوعي التأميني يمثل أحد أهم التحديات أمام زيادة معدلات انتشار التأمين متناهي الصغر، الأمر الذي يتطلب تكثيف حملات التوعية، والتوسع في استخدام الحلول الرقمية، وتعزيز التعاون بين شركات التأمين والجهات الحكومية ومؤسسات التمويل الأصغر.
رؤية اتحاد شركات التأمين المصرية
يؤكد اتحاد شركات التأمين المصرية أن التأمين متناهي الصغر يمثل أحد المحاور الاستراتيجية لتطوير صناعة التأمين، باعتباره أداة رئيسية لتعزيز الشمول المالي، وحماية الفئات الأكثر احتياجًا، ودعم المشروعات متناهية الصغر والصغيرة.
ويرى الاتحاد أن التجارب الأفريقية الناجحة تؤكد أهمية الاستثمار في التكنولوجيا المالية، وتطوير المنتجات الرقمية، وتعزيز الشراكات بين شركات التأمين والبنوك ومؤسسات التمويل متناهي الصغر ومشغلي الاتصالات، بما يسهم في سد الفجوة التأمينية، ورفع معدلات الاختراق، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030 وأجندة أفريقيا 2063.
وفي ظل التغيرات الاقتصادية والمناخية المتسارعة، أصبح التأمين متناهي الصغر ضرورة تنموية، وليس مجرد منتج تأميني، لما يمثله من أداة فعالة لبناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتحقيق نمو أكثر شمولًا واستدامة في مختلف أنحاء القارة الأفريقية.
شركه مصر العظمي للتنمية والاستثمار
مؤتمر التامين

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀