كتب سيد حسن
كشفت شركة إيفرجرو للأسمدة عن تفاصيل أزمة مديونيتها التي أثارت جدلًا واسعًا خلال الفترة الأخيرة، مؤكدة أن الأرقام المتداولة تعكس تطورات تراكمية لعدة سنوات، وليست نتاجًا لمرحلة واحدة أو قرارات منفردة.
وأوضحت الشركة، في بيان رسمي، أن حجم المديونية في ديسمبر 2021 لم يكن يتجاوز 11.8 مليار جنيه، قبل أن يتضخم تدريجيًا ليصل إلى نحو 40 مليار جنيه، نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والتمويلية التي وصفتها بـ”القاسية وخارجة عن الإرادة”.
وأضافت أن من أبرز هذه العوامل، الارتفاع الحاد في سعر صرف الدولار، حيث قفز من 15.7 جنيه في 2021 إلى نحو 54 جنيهًا في مارس 2026، إلى جانب الزيادة غير المسبوقة في أسعار الفائدة، التي ارتفعت على الجنيه المصري من 8% إلى ما يقارب 30%، وعلى الدولار من 5.5% إلى 10.5%.
كما أشارت الشركة إلى تداعيات جائحة كورونا والحروب الدولية والإقليمية، والتي أدت إلى اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في الشحن البحري، وهو ما انعكس سلبًا على عمليات التصدير والإنتاج.
ولفتت إلى أن عدم التزام البنوك بصرف رأس المال العامل المتفق عليه خلال عام 2022، ساهم بشكل مباشر في تراجع الطاقات الإنتاجية بنحو 50%، وهو ما زاد من الضغوط التشغيلية والمالية على الشركة.
وفيما يتعلق بخطة التعامل مع الأزمة، أوضحت «إيفرجرو» أنه تم تعيين مستشار مالي مستقل في نهاية 2024، بناءً على طلب البنوك الدائنة، لتولي إدارة ملف التفاوض وإعادة هيكلة المديونية. كما تم توقيع مذكرة تفاهم لجدولة الديون بنهاية 2024، تلاها توقيع مذكرة الشروط والأحكام (Term Sheet) في مارس 2025، وصولًا إلى توقيع اتفاق جدولة الشريحة بالجنيه المصري في ديسمبر 2025، مع استمرار العمل حاليًا على مراجعة عقود جدولة الشريحة الدولارية وتوفير رأس المال العامل.
تحليل الوضع العام:
تعكس أزمة «إيفرجرو» نموذجًا واضحًا للتحديات التي تواجه القطاع الصناعي في مصر خلال السنوات الأخيرة، خاصة القطاعات كثيفة الاعتماد على الاستيراد والتمويل البنكي.
فمن ناحية، أدى تحرير سعر الصرف وتراجع قيمة الجنيه إلى زيادة تكلفة مدخلات الإنتاج بشكل حاد، لا سيما في الصناعات التي تعتمد على خامات أو معدات مستوردة. ومن ناحية أخرى، جاءت سياسات التشديد النقدي ورفع أسعار الفائدة كعامل ضاغط إضافي، حيث تضاعفت تكلفة التمويل بشكل غير مسبوق، ما أثر على قدرة الشركات على الاستمرار والتوسع.
كما أن اضطرابات التجارة العالمية، بدءًا من جائحة كورونا وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية، ساهمت في تقليص فرص التصدير ورفع تكاليف الشحن، وهو ما انعكس مباشرة على الإيرادات بالعملة الأجنبية.
وتطرح الأزمة أيضًا تساؤلات حول دور البنوك في دعم القطاع الإنتاجي، خاصة فيما يتعلق بتوفير رأس المال العامل في التوقيتات الحرجة، حيث تشير الشركة إلى أن تعثر التمويل كان أحد أسباب تراجع الإنتاج.
في المقابل، يعكس اتجاه «إيفرجرو» نحو إعادة هيكلة الديون والتفاوض مع البنوك إدراكًا لأهمية الحلول التوافقية، بدلًا من التصعيد، وهو ما يتماشى مع توجهات السوق في التعامل مع الأزمات المالية الكبرى.
فأزمة «إيفرجرو» ليست حالة فردية بقدر ما هي انعكاس لضغوط اقتصادية كلية، ما يجعل مسار إعادة الهيكلة ليس مجرد حل لشركة واحدة، بل مؤشرًا على كيفية تعامل الاقتصاد مع موجة التحديات الحالية، خاصة في ظل الحاجة إلى تحقيق توازن بين استقرار القطاع المصرفي واستمرار النشاط الإنتاجي.