لم يكن انعقاد القمة الروسية -الأفريقية الأولى في مدينة سوتشي في أكتوبر 2019 حدثًا عابرًا في العلاقات الدولية، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من إعادة بناء الجسور بين موسكو والقارة الأفريقية، بعد سنوات من الفتور الذي أعقب تفكك الاتحاد السوفيتي. فبعد أن بلغت العلاقات السوفيتية-الأفريقية ذروتها خلال حقبة الحرب الباردة، عندما دعم الكرملين حركات التحرر الوطني، وقدم القروض والمساعدات التقنية والعسكرية لعشرات الدول الأفريقية، دخلت هذه العلاقات في حالة من التراجع خلال تسعينيات القرن الماضي.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، بدأت موسكو تعيد اكتشاف أفريقيا، لا سيما من خلال الزيارات الرئاسية رفيعة المستوى التي قام بها الرئيس فلاديمير بوتين إلى مصر والجزائر والمغرب وجنوب أفريقيا، وشكّل الإعلان عن آلية لعقد قمة كل ثلاث سنوات، إلى جانب منتدى الشراكة الروسية-الأفريقية، نقلة نوعية في طبيعة العلاقات بين الجانبين، إذ انتقلت من التعاون الثنائي المتفرق إلى إطار مؤسسي أوسع يستهدف تنسيق المصالح وتطوير مجالات الشراكة.
وعندما اجتمعت 54 دولة أفريقية في سوتشي عام 2019، أسفرت القمة عن توقيع 92 اتفاقية بقيمة تجاوزت تريليون روبل، لتأتي القمة الثانية في سان بطرسبرج عام 2023 تحت عنوان رئيسي يتمثل في الانتقال من الحوار السياسي إلى بناء شراكات عملية طويلة الأمد.
واليوم، ومع انعقاد القمة الثالثة في موسكو يومي 28 و29 أكتوبر، يبرز سؤال محوري حول مدى قدرة روسيا على تحويل طموحاتها المعلنة إلى واقع ملموس يستجيب لتطلعات القارة الأفريقية في مجالات التنمية والسيادة وتعزيز الاستقلال في اتخاذ القرار.
أهداف معلنة وطموحات واسعة
تنعقد القمة الثالثة في ظل ظروف جيوسياسية بالغة التعقيد. فبعد الحرب في أوكرانيا وتدهور العلاقات مع الغرب، أصبحت أفريقيا إحدى الأولويات الرئيسية في السياسة الخارجية الروسية، ليس فقط باعتبارها سوقًا للسلاح ومصدرًا للموارد الطبيعية، بل أيضًا باعتبارها ساحة مهمة لتعزيز الحضور الدولي لموسكو والبحث عن شركاء جدد في مواجهة الضغوط والعزلة الغربية، وقد لخّص الرئيس فلاديمير بوتين هذه الرؤية في كلمته أمام نادي «فالداي»، عندما قال إن الاستراتيجية الروسية تجاه أفريقيا تتلخص في كلمتين: «التطور معًا» وتحمل هذه العبارة رسالة تتجاوز حدود التعاون التقليدي، إذ تعكس محاولة روسية لتقديم نموذج للشراكة يختلف عن النموذج الغربي القائم، وفقًا للرؤية الروسية، على استغلال الموارد، مع التأكيد على أن العلاقات مع الدول الأفريقية ينبغي أن تقوم على المصالح المشتركة واحترام استقلالها وسيادتها، بعيدًا عن الإرث الاستعماري.
وفي هذا الإطار، تتمحور أهداف القمة حول عدد من الملفات الرئيسية، في مقدمتها تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، إذ تسعى موسكو إلى زيادة حجم التبادل التجاري مع الدول الأفريقية، الذي لا يزال محدودًا مقارنة بحجم علاقات القارة مع القوى الاقتصادية الكبرى، وذلك من خلال توسيع التعاون في قطاعات الطاقة والزراعة والتعدين والبنية التحتية وتكنولوجيا المعلومات. وتمثل هذه القطاعات مجالات يمكن أن تتيح فرصًا لتطوير العلاقات الاقتصادية، إذا نجح الطرفان في الانتقال من التفاهمات العامة إلى تنفيذ مشروعات مشتركة تحقق مصالحهما المتبادلة، ويأتي التعاون في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب ضمن الأولويات الأخرى للقمة، خاصة في منطقة الساحل التي تشهد تحديات أمنية متزايدة.
وفي هذا السياق، تقدم روسيا نفسها باعتبارها شريكًا أمنيًا بديلًا للقوى الغربية، مستندة إلى استعدادها لتوسيع التعاون العسكري والأمني مع عدد من الحكومات الأفريقية، غير أن أهمية هذا الملف لا تقتصر على الجانب الأمني، بل ترتبط أيضًا بمدى قدرة هذا التعاون على الإسهام في تهيئة الظروف اللازمة للاستقرار والتنمية، دون أن يتحول إلى مصدر جديد للتوترات أو الخلافات الدولية.
كما تسعى القمة إلى تعزيز التعاون التعليمي والإنساني والثقافي، من خلال توسيع برامج المنح الدراسية المقدمة للطلاب الأفارقة، وإنشاء فروع للجامعات الروسية، وتطوير المراكز الثقافية والعلمية.
ويعكس هذا التوجه اهتمام موسكو بتوسيع علاقاتها مع المجتمعات الأفريقية، وعدم قصرها على الحكومات والمؤسسات الرسمية، بما يساعد على بناء روابط طويلة الأمد تتجاوز المصالح السياسية والاقتصادية المباشرة.
وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، يمثل التنسيق بين روسيا والدول الأفريقية في المحافل الدولية أحد الأهداف المهمة للقمة، في ظل الثقل التصويتي الذي تتمتع به الدول الأفريقية داخل الأمم المتحدة. ومن ثم، فإن تعزيز التواصل والتنسيق بين الجانبين يمكن أن يمنح موسكو مساحة أوسع للتحرك الدبلوماسي، كما يتيح للدول الأفريقية فرصة للدفاع عن أولوياتها ومصالحها في القضايا الدولية، إذا استند هذا التنسيق إلى تفاهمات واضحة ومصالح متبادلة، لكن الطموحات الروسية تتجاوز هذه الأهداف المباشرة، لتشمل إعادة تعريف موقع روسيا في النظام الدولي بوصفها قوة عالمية يصعب عزلها، وبناء نظام متعدد الأقطاب تكون أفريقيا فيه شريكًا فاعلًا، لا مجرد طرف يتلقى المساعدات أو يستجيب لمبادرات القوى الكبرى.
وفي هذا السياق، تسعى موسكو إلى تقديم نفسها بوصفها شريكًا يساعد الدول الأفريقية على تعزيز قدراتها في إدارة مواردها الطبيعية وتطوير مؤسساتها الاقتصادية والفنية، بما يحد من أشكال الاعتماد الخارجي. وتتجسد هذه الرؤية في عدد من المبادرات التعليمية والتقنية، من بينها الكونسورتيوم الروسي-الأفريقي لمؤسسات التعليم التقني العالي، وبرنامج الماجستير في «إدارة مرافق استخدام باطن الأرض» بجامعة سان بطرسبرج للتعدين، الذي يستهدف إعداد كوادر من المستويين المتوسط والعالي في الهيئات الحكومية وشركات القطاع في الدول الأفريقية، وتعكس هذه المبادرات توجهًا نحو ربط التعاون التعليمي باحتياجات التنمية وإدارة الموارد، بما يتيح للدول الأفريقية الاستفادة من الخبرات الفنية والعلمية في تطوير قطاعاتها الإنتاجية.
التحديات التي تواجه الطموحات الروسية
على الرغم من الزخم السياسي والدبلوماسي المصاحب للقمة، فإن تحقيق الأهداف الروسية يواجه تحديات جوهرية قد تحد من قدرتها على تحويل التصريحات والاتفاقات إلى نتائج ملموسة، ويأتي حجم التبادل التجاري في مقدمة هذه التحديات، إذ لا تزال العلاقات الاقتصادية بين الجانبين أقل من مستوى الطموحات المعلنة، مقارنة بحجم التبادل التجاري بين أفريقيا والقوى الاقتصادية الأخرى، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا نحو 27 مليار دولار في عام 2025، استحوذت مصر على نحو 39% منه، بينما تجاوز حجم التبادل التجاري للقارة مع الاتحاد الأوروبي 385 مليار دولار، ومع الصين 348 مليار دولار. وتوضح هذه الأرقام الفجوة بين الحضور الروسي في أفريقيا وحضور القوى الاقتصادية المنافسة، كما تكشف عن أن توسيع العلاقات السياسية لا ينعكس بالضرورة على حجم التبادل التجاري بالقدر نفسه.
ورغم أهمية الدور الروسي في قطاعات محددة، مثل الغذاء والأسمدة والطاقة النووية، فإن تعزيز الحضور الاقتصادي لموسكو يتطلب توسيع نطاق التعاون ليشمل مشروعات إنتاجية واستثمارية أكثر تنوعًا، إلى جانب تطوير البنية التحتية الاقتصادية والتجارية التي تساعد على زيادة حجم المبادلات بين الجانبين. فالمنافسة في القارة الأفريقية لا تتوقف عند القدرة على إبرام الاتفاقات أو الإعلان عن مشروعات جديدة، بل ترتبط أيضًا بمدى توافر الموارد التمويلية والتكنولوجية، والقدرة على تنفيذ الالتزامات في المواعيد المحددة، وتحقيق عوائد ملموسة للدول والمجتمعات المستفيدة.
كما يمثل الحضور العسكري الروسي تحديًا آخر أمام طموحات الشراكة، حيث تقدم موسكو تعاونها العسكري والأمني باعتباره بديلًا للقوى الغربية، وهذا الدور يضعها في مواجهة مباشرة مع الغرب، ويجعل الجانب الأمني أحد الملفات التي تتداخل فيها اعتبارات الشراكة الثنائية مع التنافس الدولي، كما أن استمرار التركيز على التعاون العسكري دون توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتنموي قد يحد من قدرة روسيا على تقديم نموذج متكامل للشراكة مع الدول الأفريقية. ولذلك، فإن التحدي لا يتعلق فقط بتعزيز الوجود الأمني، بل بمدى قدرة موسكو على ربطه بمسار أوسع يدعم الاستقرار ويتيح فرصًا حقيقية للتنمية.
ويبرز تحدٍ ثالث يتعلق بتنوع القارة الأفريقية واختلاف احتياجات دولها وأولوياتها. فالقارة ليست كتلة واحدة متجانسة، بل تضم دولًا تختلف في ظروفها الاقتصادية والسياسية والأمنية، وفي طبيعة التحديات التي تواجهها، وهو ما يجعل تبني مقاربة موحدة للتعاون معها أمرًا قد لا يحقق النتائج نفسها في جميع الحالات. وفي هذا السياق، تشير الباحثة سانوشا نايدو من جامعة كيب تاون إلى أن «متانة الشراكات تُحدَّد ليس بعدد الاتفاقات بين الدول فحسب، بل بمدى تلبيتها لمطالب المجتمعات المحلية» ويعكس هذا الطرح أهمية النظر إلى الشراكة من زاوية نتائجها الفعلية، وليس فقط من خلال حجم الاتفاقات الموقعة أو مستوى التمثيل السياسي في القمم.
وبناءً على ذلك، تحتاج روسيا إلى تبني استراتيجيات أكثر مرونة تراعي خصوصية كل دولة واحتياجاتها، بدلًا من الاكتفاء بخطاب عام يخاطب القارة بوصفها كيانًا واحدًا، كما يتطلب بناء شراكات مستدامة فهم أولويات المجتمعات المحلية، وربط المشروعات المنفذة باحتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن أن تعود نتائج التعاون بالنفع على الأطراف المعنية، ويمنح العلاقات الروسية-الأفريقية قاعدة أكثر استقرارًا على المدى الطويل.
هل تتحقق الوعود؟
تتوقف الإجابة عن هذا السؤال على قدرة موسكو على الانتقال من الخطاب السياسي إلى تنفيذ مشروعات ملموسة تستجيب للاحتياجات الفعلية للدول الأفريقية. فالقمة الثالثة ليست مجرد مناسبة لاستعراض مسار العلاقات بين الجانبين أو الاحتفاء بما تحقق خلال السنوات الماضية، بل تمثل اختبارًا لجدية الالتزامات الروسية، ومدى استعداد موسكو لترجمة أهداف الشراكة المعلنة إلى نتائج يمكن قياسها على أرض الواقع. وفي هذا الإطار، فإن بناء شراكة طويلة الأمد لا يتوقف على الحضور السياسي والدبلوماسي في القارة، بل يتطلب عملًا مشتركًا على دعم التنمية، واستعدادًا لمراعاة الاحتياجات المتغيرة للمجتمعات الأفريقية، والوفاء بالالتزامات التي يتم الاتفاق عليها. فنجاح الشراكة يرتبط بقدرة الطرفين على تحديد أولويات واضحة، ووضع آليات عملية لتنفيذ المشروعات، ومتابعة نتائجها، بما يضمن استمرار التعاون وتطوره بعيدًا عن الاكتفاء بالتصريحات والبيانات الختامية. وإذا نجحت روسيا في ترجمة شعار «التطور معًا» إلى مشروعات ملموسة في مجالات التصنيع ونقل التكنولوجيا والأمن الغذائي والطاقة، فقد تتمكن من تعزيز موقعها كشريك تنموي واقتصادي للقارة، وتقديم نموذج مختلف للتعاون الدولي يقوم على توسيع المصالح المشتركة والاستفادة المتبادلة من الموارد والخبرات، كما أن نجاح هذه المشروعات يمكن أن يفتح المجال أمام تطوير العلاقات الروسية-الأفريقية من إطارها السياسي والدبلوماسي إلى شراكة أكثر ارتباطًا بأولويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.