ظاهرة “المدربة جيسيكا والحوت”… كيف تصنع السوشيال ميديا قصصًا من العدم؟
بقلم: حسام النوام
في زمن السوشيال ميديا، لم يعد الخبر ينتظر تحققًا أو تدقيقًا قبل أن ينتشر. يكفي أن تلمس القصة مشاعر الجمهور أو تثير فضولهم، حتى تتحول إلى “ترند” يتداولها الملايين في ساعات معدودة، بغض النظر عن حقيقتها.
خلال الأيام الماضية، شغلت حكاية “المدربة جيسيكا والحوت” المنصات المختلفة، حيث تداول مستخدمون صورًا ومقاطع فيديو تزعم أن مدربة غوص تُدعى “جيسيكا” تعرضت لهجوم مفاجئ من حوت أثناء تدريبها، في مشهد درامي أثار التعاطف وأشعل الخيال. لكن الحقيقة التي غابت عن كثيرين، أن القصة برمتها مفبركة، ولا وجود لمدربة بهذا الاسم في أي سجل أو خبر رسمي.
ما حدث في الواقع، هو مزيج من تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) وفنون صناعة المحتوى؛ حيث تم إنشاء صور ومقاطع فيديو بتقنيات عالية تحاكي الواقع بشكل مذهل، ثم نسجت حولها سيناريوهات مثيرة، ليصدقها الجمهور ويتعامل معها على أنها واقعية.
هذه الحكاية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، فالسوشيال ميديا أصبحت بيئة خصبة لمثل هذه “القصص الجاهزة” التي تنمو بسرعة البرق، قبل أن ينكشف زيفها فجأة وتختفي من المشهد. الأمر الأخطر أن مثل هذه الظواهر تعكس أزمة ثقة في المحتوى المنشور على المنصات، وتطرح أسئلة جادة حول مسؤولية المستخدمين في التحقق، وضرورة رفع الوعي بأساليب الخداع الرقمي.
قصة “جيسيكا والحوت” تكشف أننا نعيش عصرًا جديدًا من الإعلام، حيث يمكن لخيال المبدع وتقنيات الذكاء الاصطناعي أن يصنعا واقعًا موازيًا، يُشاهد ويُشارك ويتفاعل معه الملايين، دون أن يكون له أي وجود حقيقي. إنها دعوة للتأني، والبحث عن المصادر، قبل أن نمنح أي قصة فرصة للسيطرة على عقولنا ومشاعرنا.