“النيل.. نهر الحياة والإرادة المشتركة بين الشعوب”
رامي زهدي خبير الشؤون الإفريقية
هو ليس مجرى مائيا عابرًا للقارات، بل تاريخ يمتد بامتداد ضفتيه، و حضارة صاغت البشر قبل أن يصيغوا مدنهم، نهر النيل هو الذاكرة الأولى للإنسان الإفريقي، وهو هبة مصر التي حملت اسمها إلى الدنيا، وارتبط بالحضارة المصرية القديمة حتى صار جزءا من تعريف العالم لمصر، وجزءا من تعريف مصر لذاتها.
يمتد النيل بما يقارب 6650 كيلومتراً، ليكون أطول أنهار العالم، جارياً عبر 11 دولة، تشمل مصر والسودان وإثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية وإريتريا وجنوب السودان، هذا الامتداد المهيب جعل حوض النيل واحدًا من أهم الأقاليم الجيوسياسية في إفريقيا، ليس فقط لغناه الطبيعي، بل لأنه احتضن عبر تاريخه إنسانًا صنعه النهر وصنع حضارته وهويته.
ورغم أن دول الحوض يجمعها هذا الشريان المشترك، فإن مستوى التعاون فيما بينها لا يزال أقل من الإمكانيات المتاحة ومع ذلك، يبقى النيل فرصة هائلة للتكامل والتنمية، لا مجال لإضاعتها، فالنهر بطبيعته جسر تواصل لا حاجز خصومة، وطاقته على الجمع أقوى من أي خلاف، والوعي بهذه الحقيقة هو مفتاح المستقبل المشترك لدول الحوض.
الزراعة تأتي في مقدمة المجالات التي يمكن أن تنتفع بالتنسيق بين دول الحوض، إذ يعتمد معظمها على الزراعة مصدرًا رئيسيًا للغذاء والاقتصاد، التعاون في إدارة المياه وتطوير نظم ري حديثة وإدخال محاصيل مقاومة للجفاف يمكن أن يجنب المنطقة أخطار نقص الغذاء ويزيد من إنتاجية الأراضي.
كذلك، يمثل النيل مصدراً محورياً لتوليد الطاقة الكهرومائية، وتجربة مصر عبر السد العالي خير دليل على قدرة النهر على دعم التنمية الصناعية، ويمكن للدول أن تعتمد نماذج للتعاون في إقامة مشروعات توليد الطاقة، بما يحقق مصالح متوازنة ويُجنب أي ضرر محتمل، بشرط التنسيق المشترك والتكامل فيما بينهما.
أما النقل النهري، فلا يزال من أكبر الفرص غير المستغلة، فتطوير ممر ملاحي آمن ومتكامل بين دول الحوض سيحفّز التجارة البينية ويخفض تكلفة نقل البضائع ويفتح أسواقًا جديدة، كما سيربط الشعوب على نحو أقوى.
في وقت تواجه المنطقة تحديات بيئية متفاقمة بفعل التغير المناخي، تشمل موجات جفاف وفيضانات غير متوقعة وتذبذبًا في معدلات تدفق المياه، وبالتالي لا يمكن لأي دولة منفردة مواجهة هذه التحديات دون إطار جماعي للتكيف وإدارة الأزمات البيئية.
النهر أيضا، يفتح باباً واسعاً لسياحة نيلية عابرة للحدود، تُنعش اقتصادات الدول وتغذي التبادل الثقافي، وتحول النيل إلى مسار سياحي عالمي متصل بين دول القارة.
نهر النيل ملكية طبيعية مشتركة، تتطلب استناد الحقوق فيه إلى قواعد قانونية عادلة، وعلى رأسها الاتفاقيات الدولية التي نظّمت استخدام مياهه لعقود طويلة، ورغم تعدد الرؤى حول بعض الاتفاقيات التاريخية، إلا أن الحقائق الجغرافية والاقتصادية تؤكد أن طبيعة الاحتياجات المائية ليست واحدة بين الدول، وأن دول المصب، وفي مقدمتها مصر، تواجه ندرة مائية حادة تجعل الحفاظ على حصتها ضرورة وجودية، لا رفاهية سياسية.
رؤية “المنفعة المشتركة” تقوم على استغلال موارد النهر بما يضمن مصالح كافة الأطراف دون إلحاق الضرر بأي دولة، فلا مجال لمشاريع منفردة أو قرارات أحادية تمس حياة الملايين، فالمياه حق، لكنها أيضاً مسؤولية.
تظل اتفاقية 1959 بين مصر والسودان حجر الأساس في تنظيم المياه بينهما، وهي اتفاقية تستند إلى واقع جغرافي معقد ودقيق، أما الدعوات لإعادة النظر فيها، فإنها غالباً ما تتجاهل حقيقة أن دول المنبع تتمتع بوفرة مائية مقارنة بدول المصب التي تعتمد على النيل اعتماداً كاملاً.
القانون الدولي يضع مبدأ “عدم الإضرار” في صميم أي تسوية مائية، ومن ثمّ، فإن أي مفاوضات بين دول الحوض يجب أن تقوم على احترام هذا المبدأ، وعلى تقدير مواقع الدول واحتياجاتها، والتفرقة بين دول منبع ودول ممر ودول مصب.
مصر تحديدا، تعتمد على النيل بنسبة تقارب 97% من احتياجاتها المائية، وتستخدم مياهه لري 85% من أراضيها الزراعية، وللاستخدام الصناعي والاستهلاكي، هذه الحقائق تجعل حقوقها المائية ثابتة في ثلاثة أركان اولها الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقيتي 1929 و1959 التي نظمت الاستخدام التاريخي للمياه.
ثم، القانون الدولي الذي يعترف بالاعتماد الكامل كعامل أساسي في تحديد الحصص.
وأخيرا التحديات الديمجرافية والمناخية التي تجعل أي نقصان في حصة مصر تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي والغذائي.
لذلك اتسم الموقف المصري عبر العقود بالوضوح، فمصر تحمي حقوقها، ولكنها في الوقت نفسه تدعم أي تعاون يحقق منفعة مشتركة دون الإضرار بأي طرف.
النيل ليس موضوع نزاع بل مساحة التقاء، هو شريان حياة لقرابة نصف قارة، وأي مستقبل لدول الحوض لن يكون إلا تعاونياً، فمع تصاعد التحديات المناخية والجيوسياسية والاقتصادية، يصبح التعاون خياراً إلزامياً لا ترفًا.
إن ما يجريه الله لا يوقفه بشر، والمياه التي تجمع لا ينبغي أن تتحول إلى سبب فرقة، وحوض النيل قادر، إذا ما توحدت رؤاه، أن يكون نموذجًا للتكامل الإفريقي ورافعة لتنمية مستدامة تعود بالنفع على الجميع.