مقالات

إفريقيا والسيادة الرقمية

شارك المقال:
إفريقيا والسيادة الرقمية

رامي زهدي-خبير الشؤون الإفريقية 
لم تعد المعركة العالمية اليوم تدور فقط حول النفط والغاز والممرات البحرية والمعادن النادرة، بل باتت تدور بصورة أكثر عمقا حول السيطرة على البيانات، وامتلاك البنية الرقمية، والتحكم في تدفقات المعرفة، والقدرة على تحويل المجتمعات إلى كيانات منتجة للمعلومة لا مجرد مستهلكة لها، وفي قلب هذا التحول العالمي تقف القارة الإفريقية أمام لحظة فارقة، ربما تكون الأخطر والأكثر حسما منذ لحظة التحرر الوطني في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لأن إفريقيا التي كانت ضحية للاستعمار التقليدي، ثم للتبعية الاقتصادية، تواجه اليوم شكلا أكثر تعقيدا من الهيمنة يتمثل في الاستعمار الرقمي، حيث تتحول بيانات الشعوب وسلوكياتها وأسواقها ومواردها البشرية إلى مادة خام مجانية لشركات التكنولوجيا الكبرى العابرة للقارات.
لكن المثير للاهتمام أن إفريقيا، رغم تأخرها التاريخي في الثورة الصناعية التقليدية، تمتلك اليوم فرصة نادرة للقفز المباشر نحو الاقتصاد المعرفي دون المرور الكامل بمراحل التصنيع الكلاسيكي التي استغرقت من دول العالم المتقدم قرونا كاملة، وهذه ليست مبالغة خطابية، بل حقيقة تدعمها الأرقام والمؤشرات والتحولات الواقعية داخل القارة.
فبحسب تقديرات البنك الدولي، فإن الاقتصاد الرقمي في إفريقيا قد يضيف ما يقارب 180 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للقارة بحلول عام 2025، مع توقعات بتجاوز الرقم حاجز 700 مليار دولار بحلول 2050 إذا ما نجحت الدول الإفريقية في تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز سياسات الاقتصاد المعرفي، وفي الوقت ذاته تشير بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نسبة استخدام الإنترنت في إفريقيا ارتفعت من أقل من 10% قبل نحو عقد ونصف إلى ما يقترب حاليا من 43%، مع وجود أكثر من 650 مليون مستخدم للهواتف الذكية داخل القارة، وهو ما يخلق كتلة استهلاكية ورقمية هائلة غير مسبوقة.
غير أن القضية هنا لا تتعلق فقط بانتشار الإنترنت أو زيادة أعداد الهواتف المحمولة، لأن اختزال التحول الرقمي في مجرد تطبيقات إلكترونية أو خدمات دفع عبر الهاتف يعد تبسيطا مخلا ومضللا، المسألة أعمق بكثير، وتتعلق بإعادة تعريف مفهوم الثروة ذاته داخل القارة، فالدولة التي لا تمتلك اليوم قواعد بيانات دقيقة لسكانها، واقتصادها، ومواردها، وحركتها التجارية، وأنماطها الاستهلاكية، تصبح دولة فاقدة للقدرة على التخطيط، وعاجزة عن صناعة القرار، وأكثر قابلية للاختراق السياسي والاقتصادي والأمني.
وهنا تحديدا تظهر خطورة الفجوة الرقمية الإفريقية، ليس باعتبارها فجوة تقنية فحسب، بل باعتبارها فجوة سيادية أيضا، إذ تشير التقديرات إلى أن أقل من 2% من مراكز البيانات العالمية توجد في إفريقيا، رغم أن القارة تمثل ما يقرب من 18% من سكان العالم، كما أن الجزء الأكبر من البيانات الإفريقية يتم تخزينه ومعالجته خارج القارة، ما يعني فعليا أن كثيرا من المعلومات الحيوية المتعلقة بالمجتمعات الإفريقية تخضع لبنى تحتية أجنبية وقوانين أجنبية وشركات أجنبية.
والأخطر من ذلك أن إفريقيا أصبحت ساحة مفتوحة لصراع التكنولوجيا العالمي بين الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، حيث تتنافس القوى الكبرى على بناء شبكات الاتصالات، ومد الكابلات البحرية، وتطوير البنية السحابية، والسيطرة على الأسواق الرقمية الناشئة. وفي كثير من الأحيان تتحول الدول الإفريقية إلى مجرد مستهلك للتكنولوجيا المستوردة، دون امتلاك حقيقي للمعرفة التقنية أو القدرة التصنيعية أو السيادة الرقمية الكاملة.
ورغم ذلك، فإن القارة تمتلك عناصر قوة استثنائية قد تجعلها أحد أهم مراكز الاقتصاد الرقمي عالميا خلال العقود المقبلة، فإفريقيا هي القارة الأصغر سنا على مستوى العالم، إذ يقل متوسط الأعمار فيها عن 20 عاما في العديد من الدول، كما أن نحو 60% من السكان تحت سن الخامسة والعشرين، وهذه الكتلة البشرية الشابة تمثل طاقة رقمية هائلة إذا ما تم الاستثمار الحقيقي فيها عبر التعليم التكنولوجي، والتدريب البرمجي، وتطوير المهارات الرقمية، وربط الجامعات بأسواق العمل الحديثة.
ولعل التجربة الإفريقية نفسها تقدم نماذج بالغة الدلالة، ففي كينيا مثلا، تحولت منصة مالية إلى واحدة من أبرز قصص النجاح المالي الرقمي عالميا، حيث نجحت في إدماج ملايين المواطنين غير المتعاملين مع البنوك داخل النظام المالي الرسمي عبر الهاتف المحمول، وفي نيجيريا، بات قطاع التكنولوجيا الناشئة يستقطب مليارات الدولارات من الاستثمارات، حتى أصبحت لاجوس واحدة من أهم مراكز الشركات الناشئة في القارة، أما رواندا، فقد نجحت في بناء نموذج رقمي متطور نسبيا يعتمد على الخدمات الحكومية الإلكترونية والبنية الذكية والطائرات بدون طيار في القطاع الصحي.
غير أن نجاحات متفرقة هنا وهناك لا تعني أن القارة دخلت فعليا عصر الاقتصاد المعرفي، لأن التحديات لا تزال عميقة ومركبة، فهناك أزمة بنية تحتية حقيقية، إذ لا يزال مئات الملايين من الأفارقة يفتقرون إلى كهرباء مستقرة، بينما ترتفع تكاليف الإنترنت في إفريقيا مقارنة بمتوسط الدخول بصورة تمثل عائقا ضخما أمام التحول الرقمي الشامل، كما تعاني القارة من ضعف الاستثمار في البحث العلمي، حيث لا تتجاوز مساهمة إفريقيا مجتمعة نحو 1% فقط من الإنفاق العالمي على البحث والتطوير.
كما أن الحديث عن إفريقيا الرقمية لا يمكن فصله عن قضية التعليم، فالقارة لا تحتاج فقط إلى متعلمين، بل تحتاج إلى منتجين للمعرفة، ومهندسين للبرمجيات، ومصممي خوارزميات، وخبراء أمن سيبراني، ومطوري ذكاء اصطناعي. وفي هذا السياق يصبح إصلاح المنظومة التعليمية ضرورة أمن قومي لا مجرد ملف خدمي، إذ لا يمكن بناء اقتصاد معرفي حقيقي بعقلية الحفظ والتلقين، أو بمنظومات تعليمية منفصلة عن متطلبات السوق العالمي الجديد.
ومن هنا تحديدا تصبح مصر مؤهلة للعب دور محوري داخل مشروع إفريقيا الرقمية، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي أو ثقلها السياسي، بل أيضا بسبب امتلاكها قاعدة بشرية وتعليمية وتكنولوجية متقدمة نسبيا مقارنة بالعديد من الدول الإفريقية، فمصر تمتلك واحدة من أكبر أسواق الاتصالات والتكنولوجيا في القارة، كما شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعا ملحوظا في مشروعات التحول الرقمي، وبناء المدن الذكية، وتطوير البنية التحتية للاتصالات، وإنشاء مراكز البيانات العملاقة، فضلا عن التوسع في خدمات التكنولوجيا المالية.
لكن الدور المصري المطلوب يتجاوز حدود السوق المحلية، ليصل إلى بناء شراكات إفريقية حقيقية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا المالية، والتعليم الرقمي، وربط الجامعات ومراكز الأبحاث الإفريقية ببعضها البعض، وإنشاء منصات إفريقية مشتركة للبيانات والتجارة الإلكترونية والخدمات السحابية، فالمعادلة الجديدة في العالم لا تعترف بالدول المنعزلة، بل بالتكتلات القادرة على خلق أسواق معرفية موحدة.
كما أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تفتح آفاقا غير مسبوقة أمام الاقتصاد الرقمي، خاصة مع وجود سوق يضم أكثر من 1.4 مليار نسمة وناتجا محليا يتجاوز 3.4 تريليون دولار، وإذا ما تم ربط هذا السوق الضخم ببنية رقمية متكاملة، فإن إفريقيا قد تتحول خلال سنوات إلى أحد أكبر الفضاءات الاقتصادية الرقمية عالميا.
لكن الطريق نحو إفريقيا الرقمية لا يخلو من المخاطر. فهناك تحديات متعلقة بحماية البيانات، والخصوصية، والجرائم الإلكترونية، والاختراقات السيبرانية، والتضليل المعلوماتي، وهي ملفات شديدة الحساسية في ظل هشاشة بعض المؤسسات وضعف الأطر التشريعية في عدد من الدول الإفريقية، ولذلك فإن بناء الاقتصاد الرقمي يجب أن يتزامن مع بناء تشريعات حديثة، ومؤسسات قوية، وسياسات واضحة للحوكمة الرقمية.
كما ينبغي الانتباه إلى أن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الفجوة العالمية إذا ظلت إفريقيا مجرد مستهلك لتطبيقاته دون المساهمة في تطويره، فالعالم الذي لا يملك خوارزمياته الخاصة، ولا لغاته الرقمية، ولا بياناته المنظمة، يصبح تابعا في معادلات القوة الجديدة حتى لو امتلك الموارد الطبيعية.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت إفريقيا قادرة على دخول العصر الرقمي، بل ما إذا كانت قادرة على امتلاك هذا العصر بشروطها هي، لا كشريك هامشي في منظومة يحدد قواعدها الآخرون، فالقارة التي تملك أكثر من 30% من الثروات المعدنية العالمية، ونحو 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة عالميا، وكتلة بشرية شابة متنامية، قادرة أيضا على أن تصبح قوة معرفية ورقمية إذا أحسنت إدارة اللحظة التاريخية.
ولذلك فإن الرهان لم يعد على الموارد الخام وحدها، بل على العقل الإفريقي ذاته، لأن المستقبل لن يكون للأغنى بالضرورة، بل للأكثر قدرة على إنتاج المعرفة، وتحليل البيانات، وصناعة التكنولوجيا، والتحكم في تدفقات المعلومات، ومن هنا فإن إفريقيا أمام معركة وجودية جديدة، عنوانها هذه المرة ليس التحرر من الاحتلال العسكري، بل التحرر من التبعية الرقمية، والانتقال من هامش الاقتصاد العالمي إلى قلبه المعرفي والتكنولوجي.
لقد دخل العالم عصرا تصبح فيه البيانات أكثر قيمة من النفط، والخوارزميات أكثر تأثيرا من الجيوش أحيانا، والسيادة الرقمية جزءا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي، ومن لا يدرك هذه الحقيقة مبكرا، قد يجد نفسه خارج التاريخ الجديد الذي يعاد تشكيله الآن بسرعة هائلة وعلى نحو غير مسبوق.
شركه مصر العظمي للتنمية والاستثمار
تايمرنيوز
ايجي ميكس
اعلان ايماك لاجونز
مؤتمر التامين

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀