منوعات

«مصر تزيل الحواجز أمام السفارة البريطانية: إعلان قوة وسيادة في مواجهة ازدواجية المعايير»

شارك المقال:
«مصر تزيل الحواجز أمام السفارة البريطانية: إعلان قوة وسيادة في مواجهة ازدواجية المعايير»

«ليست فقط مجرد حواجز أسمنتية»

رامي زُهدي- سياسي مصري، مساعد رئيس #حزب_الوعي

«مصر تزيل الحواجز أمام السفارة البريطانية: إعلان قوة وسيادة في مواجهة ازدواجية المعايير»

لم يكن مشهد إزالة الحواجز الإسمنتية والمرورية من أمام السفارة البريطانية في حي جاردن سيتي مجرد تعديل هندسي في صورة شارع راقٍ من شوارع القاهرة، بل كان قرارًا سياديًا بامتياز، حدثًا سياسيًا مُحمّلًا بالرمزية والدلالات الاستراتيجية. فالقاهرة لم ترفع خرسانة جامدة بقدر ما أسقطت رمزًا صامتًا لامتياز غربي طالما اعتُبر أمرًا واقعًا، وأعادت صياغة معادلة مختلة ظلت لعقود قائمة على التفوق والتمييز لصالح الآخر. لقد كان ذلك الإعلان رسالة بليغة للعالم أجمع: مصر الجديدة لا تخضع، ولا تُهادن في كرامتها، ولا تسمح بأن تكون استثناءً في المعايير الدولية.

القرار جاء في إطار فلسفة “المعاملة بالمثل”، وهو مبدأ راسخ في الدبلوماسية، لكن القاهرة حمّلته أبعادًا أعمق. فهي لم تقل فقط “كما لم تحموا سفارتنا في لندن لن نبالغ في حماية سفارتكم في القاهرة”، بل قالت: “لن نقبل وصاية بعد اليوم، ولن نسمح بامتيازات تُمنح لكم فيما تُهدر حقوقنا”. هذه الرسالة اتخذت من بريطانيا مثالًا مباشرًا، لكن مداها يتجاوز لندن ليصل إلى واشنطن وباريس وبرلين وكل عواصم الغرب التي ما زالت أحيانًا تنظر إلى مصر والمنطقة بعين الاستعلاء، وكأنها مناطق نفوذ وليست دولًا ذات سيادة.

بريطانيا، التي تركت السفارة المصرية في لندن فريسة لهجمات عناصر الإخوان الإرهابية تحت لافتة حرية التعبير، لم تتحرك بجدية لردع الإهانات المتكررة بحق الدولة المصرية ورموزها. في المقابل، ظلت سفارتها في قلب القاهرة محاطة بكتل خرسانية وكأنها “قلعة حصينة” محصنة بامتيازات خاصة. هنا قالت القاهرة: “انتهى زمن المعايير المزدوجة”.

لكن مصر لم توجه هذه الرسالة إلى لندن وحدها. فالولايات المتحدة التي حاولت في الشهور الأخيرة ممارسة ضغوط في ملف غزة، ومارست ضغوطًا متكررة لتليين موقف مصر الرافض لمخطط التهجير القسري للفلسطينيين، تلقت هي الأخرى إشارات واضحة. مصر لم تتراجع أمام الابتزاز المالي ولا أمام التلويح بورقة المساعدات العسكرية. على العكس، رفضت القاهرة الضغوط، وأثبتت أن سيادتها لا تُشترى بالدولار ولا تُهدد بتجميد معونة. لقد فهمت واشنطن أن القاهرة لم تعد طرفًا تابعًا في معادلات الشرق الأوسط، بل قوة صلبة تُفرض إرادتها وتُسمع كلمتها.

وما ينطبق على بريطانيا والولايات المتحدة ينسحب على فرنسا أيضًا. باريس التي طالما لعبت أدوارًا في إفريقيا والشرق الأوسط على أساس نفوذها التاريخي الاستعماري، وجدت في السنوات الأخيرة أن القاهرة لا تقبل أن تُعامل كمجرد “شريك صغير”. مصر تُبرم الصفقات مع فرنسا في التسليح والطاقة والاتصالات، لكن من موقع قوة وندية، لا من موقع انبهار أو تبعية. الرسالة المصرية كانت دائمًا واضحة: “نشتري ما نحتاج، ونعقد الشراكات وفق مصالحنا، ولسنا رهائن لمصالحكم”.

وفي السياق الأوسع، فإن أوروبا ككتلة وجدت نفسها أمام مصر جديدة تتعامل معها بمنطق مختلف. لم يعد الحديث عن شراكة جنوب المتوسط قائمًا على التبعية، بل على المصالح المتبادلة. مصر هي من تحمي بوابة أوروبا الجنوبية من موجات الهجرة غير الشرعية، وهي من تضمن استقرار شرق المتوسط في معادلة الغاز والطاقة، وهي التي تُدير ملفات حساسة في إفريقيا لا تستطيع بروكسل تجاوزها. كل هذا جعل القاهرة تُعيد تعريف موقعها: لسنا متلقين للمساعدات، بل شركاء لا غنى عنهم.

وهنا تأتي رمزية إزالة الحواجز الإسمنتية في جاردن سيتي. فهي امتداد لنهج استراتيجي مصري هدفه إعادة التوازن في العلاقات مع القوى الكبرى. لم يعد مسموحًا لأحد أن يتعامل مع القاهرة كحليف من الدرجة الثانية أو كشريك يمكن لي ذراعه. لقد أزالت مصر الحواجز كما أزالت من قبل الحواجز العسكرية والسياسية. وكما أجبرت القوات البريطانية على الجلاء عام 1956، وأعادت سيناء كاملة عام 1982، فإنها اليوم تُسقط الحواجز المعنوية التي حاول الغرب أن يُقيمها في شوارع القاهرة وفي نفوس أبنائها.

الاقتصاد بدوره حاضر في هذه المعادلة. فمع أن الاستثمارات البريطانية تتجاوز 50 مليار دولار، والتبادل التجاري مع أوروبا يتخطى 30 مليار دولار سنويًا، لم تسمح مصر بأن تُستخدم هذه الأرقام كأداة ابتزاز. الاستثمارات مرحب بها، لكن على قاعدة الندية، والمصالح المشتركة لا تعني الصمت على الإهانات. وهذه فلسفة مصر الجديدة: لا فصل بين الاقتصاد والسيادة، ولا مساومة على الكرامة الوطنية تحت أي ظرف.

إن ما جرى أمام السفارة البريطانية ليس مجرد حدث محلي، بل علامة فارقة في مسار الدولة المصرية التي تعيد تعريف مكانتها الدولية. لقد قالت القاهرة بوضوح: نحن مصر، القوة التي تُزيل الحواجز كلها، سواء كانت عسكرية كما في 1973، أو سياسية كما في 1956، أو اقتصادية كما في 1982، أو حتى إسمنتية كما في 2025. مصر تُعلن للعالم أن كرامتها فوق كل اعتبار، وأنها دولة كبرى تُعامل من موقع الندية لا الوصاية.

مؤتمر التامين

ولذلك، فإن من يقرأ مشهد جاردن سيتي باعتباره تفصيلًا أمنيًا صغيرًا، يفوته جوهر القصة. إنها ليست خرسانة نُزعت، بل وصاية سقطت. ليست مجرد إزالة أقماع مرورية، بل إعلان عن إزالة آخر حواجز السيطرة. إنها مصر العظمى، التي تُثبت مرة أخرى أن إرادتها لا تنكسر، وأنها الرقم الصعب في كل المعادلات الإقليمية والدولية.

أعجبك المقال؟ شاركه مع أصدقائك! 🚀