القاهرة: مروة حسن
ودّع رواة العالم الشارقة مع إسدال الستار على الدورة السادسة والعشرين من ملتقى الشارقة الدولي للراوي، حاملين معهم تجارب وذكريات جديدة، على أمل العودة العام المقبل للمشاركة في الدورة السابعة والعشرين.
وأجمع المشاركون على أن الملتقى تجاوز حدود المناسبة السنوية، ليصبح مشروعاً ثقافياً يسهم في صون التراث الشفهي وحفظ الذاكرة الإنسانية، ومنصة تلتقي فيها الثقافات عبر الحكاية والسرد وتبادل التجارب.
مشروع ثقافي يتجاوز الحكاية
لم يكن اختتام الملتقى نهاية لأيام من الحكايات والعروض واللقاءات، بل محطة جديدة في مسيرة مشروع جعل من الرواية الشفوية جسراً بين الشعوب، ومن التراث مساحة للحوار والتعارف.
وعلى مدى أيام الملتقى، جمعت الشارقة رواة وباحثين ومختصين من ثقافات وبيئات مختلفة، حمل كل منهم حكاية من بلاده وتجربة إنسانية تناقلتها الأجيال، لتلتقي جميعها في فضاء واحد عنوانه التراث.
وتكمن أهمية الملتقى في تعامله مع التراث بوصفه ذاكرة حية تتفاعل مع الحاضر، وليس مجرد ماضٍ محفوظ في الكتب والمتاحف.
منصة للراوي وحاضنة للتراث
منح الملتقى الراوي مساحة تتجاوز دوره التقليدي، فكان فرصة للقاء وتبادل الخبرات، ومنصة تجمع أصحاب الخبرة بالباحثين والمهتمين والأجيال الجديدة.
فالراوي لا يصل إلى الشارقة حاملاً قصة فقط، بل يحمل جزءاً من ذاكرة مجتمعه. وحين يرويها أمام جمهور متعدد الثقافات، تتحول الحكاية المحلية إلى رسالة إنسانية تتيح للآخر التعرف إلى ثقافة صاحبها وبيئته.
كما أسهم الملتقى في دعم جهود حماية التراث الشفهي من الاندثار، من خلال تقديم تجارب الرواة وتوثيقها وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة لاكتشافها.
الشارقة.. ملتقى الذاكرة الإنسانية
جمعت الدورة رواة من دول وثقافات متعددة، لتكشف أن اختلاف اللغات واللهجات لا يلغي القواسم الإنسانية المشتركة.
فالحكايات، وإن اختلفت تفاصيلها وأماكنها
وشخصياتها، تتقاطع في موضوعات الحب والصداقة والشجاعة والوفاء والحياة والمجتمع، لتصبح الحكاية لغة إنسانية عابرة للحدود ووسيلة للتقارب بين الشعوب.
وجاء شعار الدورة «حكايات الأصدقاء» منسجماً مع هذه الرسالة، إذ تحول الأصدقاء القادمون من بلدان مختلفة إلى رواة يتبادلون قصصهم وتجاربهم، ويتعرفون إلى ذاكرة الآخر من خلال الحكاية.
من الراوي إلى الأجيال الجديدة
أولى الملتقى اهتماماً بالأطفال والناشئة عبر الورش والبرامج والأنشطة التي قربت إليهم عالم الحكاية والحرف والفنون الشعبية.
وتبرز أهمية هذه المشاركة في أن صون التراث لا يتحقق بالتوثيق وحده، بل بإبقائه حاضراً في وعي الأجيال وتحويله إلى تجربة حية. فالطفل الذي يستمع إلى راوٍ أو يتعلم حرفة تراثية، يعيش جانباً من ذاكرة مجتمعه، ليصبح الراوي بذلك حلقة وصل بين الماضي والمستقبل.
26 دورة.. مشروع مستمر
بعد 26 دورة، أصبح الملتقى مشروعاً ثقافياً متراكماً أسهم في ترسيخ فن الرواية الشعبية باعتباره جزءاً أصيلاً من التراث الإنساني.
فكل راوٍ يشارك، وكل حكاية تُروى، وكل تجربة تُوثق، تضيف لبنة إلى هذا المشروع، فيما تمتد آثاره إلى ما بعد أيام الملتقى عبر التوثيق والدراسات والعلاقات التي تجمع الرواة والباحثين والمؤسسات الثقافية.
الوداع لا يعني النهاية
ربما كان أجمل ما في ملتقى الشارقة الدولي للراوي أن اختتامه لا يعني انتهاء الحكاية.
يعود الرواة إلى بلدانهم محملين بتجارب جديدة، ويغادر الجمهور وهو يحمل قصصاً من أماكن بعيدة، فيما تبقى الشارقة نقطة التقاء لهذه الذاكرة المتنوعة.
وفي زمن تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتغير أنماط الحياة، تواصل الحكاية الشعبية حضورها لأنها في جوهرها حكاية الإنسان عن نفسه ومجتمعه والعالم من حوله.
وهنا تتجلى خصوصية تجربة الشارقة: تراثٌ يتحول إلى جسر، وحكايةٌ تجمع الثقافات، وراوٍ يصل الماضي بالمستقبل.
يُسدل الستار على الدورة السادسة والعشرين، لكن الحكاية تبقى مفتوحة، على موعد جديد في الشارقة العام المقبل.