قال حسام الشاهد، خبير التطوير العقاري ورئيس القطاع التجاري بشركة كيان للتطوير العقاري، إن توسيع البنك المركزي المصري نطاق فحص التمويلات المصرفية المرتبطة بشركات التطوير العقاري يفرض مرحلة جديدة على الصناعة العقارية، سيكون عنوانها الرئيسي هو تحقيق قدر أكبر من التوازن بين حجم المبيعات التي تستهدفها الشركات وبين قدرتها الفعلية على التحصيل والتنفيذ والوفاء بالتزاماتها، موضحًا أن التطور الذي يشهده السوق لم يعد يسمح بالنظر إلى المبيعات باعتبارها المؤشر الوحيد لنجاح المطور، وإنما أصبح من الضروري قياس جودة هذه المبيعات وقدرتها على توليد تدفقات نقدية مستدامة.
وأوضح الشاهد أن شمول الفحص لأرصدة التمويلات المرتبطة بتوريق الشيكات الآجلة وإصدارات سندات التوريق، إلى جانب الشيكات المرتدة والمرتجعة والوحدات التي تم تسليمها للعملاء، يحمل رسالة مهمة لصناعة التطوير العقاري، مفادها أن المرحلة المقبلة ستتطلب إدارة أكثر احترافية للدورة التجارية للمشروع، بداية من تسعير المنتج ووضع أنظمة السداد، مرورًا بجودة العملاء ومعدلات التحصيل، ووصولًا إلى التنفيذ والتسليم، لأن أي فجوة بين هذه المراحل يمكن أن تنعكس في النهاية على التدفقات النقدية للشركة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
وأشار إلى أن النمو الكبير في استخدام أدوات التوريق خلال الفترة الأخيرة يعكس حاجة حقيقية لدى الشركات إلى أدوات أكثر تنوعًا لإدارة السيولة وإعادة تدوير التدفقات، إلا أن التوسع في هذه الأدوات يجب أن يكون مصحوبًا بإدارة دقيقة لمحفظة العملاء، لأن جودة الأصول التي تستند إليها عمليات التوريق ترتبط في جزء كبير منها بجودة المبيعات والتحصيل، مؤكدًا أن تحقيق مبيعات مرتفعة لا يمثل في حد ذاته نجاحًا تجاريًا إذا لم تكن الشركة قادرة على تحويل هذه المبيعات إلى تدفقات منتظمة تساعدها على استكمال الإنشاءات والتسليم.
وأضاف أن التطورات الحالية ستدفع شركات التطوير العقاري إلى إعادة النظر في استراتيجيات البيع نفسها، بحيث يصبح التركيز على جودة العميل وليس فقط عدد التعاقدات، وعلى قدرة العميل على الاستمرار في السداد، إلى جانب تطوير أدوات المتابعة والتحصيل والإنذار المبكر للحالات التي تظهر عليها مؤشرات تعثر، مشيرًا إلى أن إدارة المبيعات والتحصيل أصبحت جزءًا أساسيًا من إدارة المخاطر وليس مجرد وظيفة تجارية منفصلة.
وأكد الشاهد أن الشركات العقارية مطالبة كذلك بإعادة ضبط العلاقة بين معدلات البيع وسرعة التنفيذ، بحيث يكون هناك توافق أكبر بين ما يتم بيعه من وحدات وبين قدرة الشركة على تنفيذ وتسليم هذه الوحدات، لافتًا إلى أن وجود خطة واضحة للتدفقات النقدية لكل مشروع أصبح عنصرًا ضروريًا عند اتخاذ قرارات التوسع أو إطلاق مراحل جديدة، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة التنفيذ وتغيرات أسعار مدخلات البناء وتكلفة التمويل.
ولفت إلى أن الإجراءات الرقابية يمكن أن تكون فرصة لإعادة ترتيب أولويات القطاع التجاري داخل الشركات العقارية، والانتقال من مفهوم “تحقيق أكبر حجم مبيعات” إلى “تحقيق مبيعات قابلة للتحصيل والتنفيذ”، وهو ما يتطلب تطوير أدوات تقييم العملاء، وتحسين نظم إدارة علاقات العملاء، ورفع كفاءة فرق المبيعات والتحصيل، وربط المؤشرات التجارية بالمؤشرات المالية والتشغيلية للمشروع.
وأوضح أن المطور الذي يمتلك محفظة عملاء مستقرة ومعدلات تحصيل قوية وسجلًا واضحًا في التسليم سيكون أكثر قدرة على التعامل مع متطلبات المرحلة الجديدة، لأن قوة المركز التجاري للشركة أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بقدرتها على إدارة دورة رأس المال، وليس فقط بقدرتها على جذب العملاء، مشيرًا إلى أن هذه المعادلة ستدفع الشركات أيضًا إلى مزيد من الدقة في تسعير وحداتها واختيار أنظمة السداد، بما يتناسب مع القدرة الشرائية الحقيقية للسوق.
وشدد الشاهد على ضرورة ألا تتحول الرقابة على التمويلات إلى عامل يحد من قدرة الشركات الجادة على النمو، وإنما إلى آلية تضمن توجيه التمويل إلى المشروعات ذات الأسس المالية والتنفيذية الواضحة، مؤكدًا أن القطاع العقاري يحتاج إلى التمويل لاستمرار التوسع، لكن الأهم هو أن يكون هذا التمويل جزءًا من دورة اقتصادية متكاملة تبدأ بمشروع قابل للتنفيذ، وتستند إلى مبيعات حقيقية، وتحصيلات منتظمة، وخطة واضحة للإنشاء والتسليم.
وأشار إلى أن الفترة المقبلة ستشهد أهمية أكبر للمؤشرات التشغيلية داخل الشركات العقارية، مثل نسب التحصيل، ومعدلات الإلغاء، والشيكات المرتجعة، ونسب الإنجاز، ومعدلات التسليم، باعتبارها مؤشرات تكمل الصورة التي تقدمها أرقام المبيعات، مؤكدًا أن قراءة هذه المؤشرات بصورة متكاملة ستساعد الشركات على اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن إطلاق المراحل الجديدة وتحديد احتياجات التمويل وإدارة السيولة.
واختتم حسام الشاهد بالتأكيد على أن إعادة تنظيم العلاقة بين المبيعات والتمويل والتحصيل والتنفيذ يمكن أن تمثل نقطة تحول مهمة في صناعة التطوير العقاري، لأن استدامة الشركة لا تتحقق بحجم تعاقداتها فقط، وإنما بقدرتها على تحويل هذه التعاقدات إلى تدفقات نقدية ومشروعات مكتملة ووحدات يتم تسليمها للعملاء، موضحًا أن السوق خلال المرحلة المقبلة ستحتاج إلى مطورين أكثر قدرة على إدارة النمو وليس مجرد تحقيقه، وهو ما سيجعل الكفاءة التجارية والمالية والتنفيذية عوامل متكاملة في تحديد قدرة الشركات على الاستمرار والتوسع.