«بين الخيانة والتشويه.. مصر في مواجهة حملة التضليل من قلب تل أبيب”
“تحليل استراتيجي للتظاهرات التحريضية للحركة الإسلامية أمام السفارة المصرية في إسرائيل”
رامي زُهدي
مُساعد رئيس حزب الوعي
في مشهدٍ عبثيٍّ تتقاطع فيه الخيانة مع التحريض، والجهل مع التضليل، شهدت مدينة تل أبيب تظاهراتٍ مشبوهة أمام السفارة المصرية، نُظّمت تحت راية ما يُسمى “الحركة الإسلامية في الداخل”، التي لا تخفى صلاتها الوثيقة بجماعة الإخوان المسلمين، وبدعم مباشر من شرطة الاحتلال الإسرائيلي. تظاهرات حملت علم إسرائيل ورفعت لافتات تتهم مصر زورًا وبهتانًا، في واحدة من أكثر لحظات التزوير السياسي والخلط المتعمد بين الجلاد والضحية.
ما جرى في 31 يوليو 2025 لم يكن فعلاً عفويًا أو احتجاجًا تلقائيًا، بل هو امتداد لحملة دولية وإقليمية بدأت منذ أشهر، وتهدف لإعادة تعريف الخصوم وتوجيه الغضب الفلسطيني الشعبي نحو من دعمهم لا من نكل بهم.
ويمكن تحليل توقيت هذه التظاهرة من خلال مجموعة من المحاور، بدء من التوقيت المتزامن مع تصعيد العدوان الإسرائيلي على غزة ومحاولة الاحتلال التنصل من مسؤوليته أمام المجتمع الدولي عبر إلقاء اللوم على مصر، والتحضير لتظاهرات موازية أمام سفارات مصر في عواصم أخرى، في إطار حملة علاقات عامة سوداء مدروسة، تعتمد على تشويه الدور المصري وتزييف الوعي العربي والدولي.
الخريطة التنظيمية للمحرضين من وراء الستار تتمثل في الحركة الإسلامية – الجناح الشمالي، والتي يقودها رائد صلاح، المعروف بتاريخه الرمادي وعلاقاته غير المنكرة بالجماعات العابرة للحدود.
وتُصنف الحركة كأحد أذرع جماعة الإخوان داخل إسرائيل، وتستغل الهامش الديمقراطي داخل الكيان للعب أدوار مزدوجة تخدم مصالح غير وطنية.
ثم، الإخوان المسلمون، فعلي الرغم من ضعف التنظيم في مصر، فإن شبكته الدولية ما تزال ناشطة، وتستخدم محافل مثل هذه لتصفية حساباتها السياسية مع القاهرة، تسعى لخلق حالة من البلبلة في الرأي العام الفلسطيني والعربي، محاوِلة إقناع الجماهير أن مصر تواطأت، بينما الواقع يُكذّبهم.
وكذلك، دعم إسرائيلي مباشر، فالتظاهرة لم تكن فقط تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، بل شارك فيها ناشطون صهاينة، ما يكشف تنسيقًا خفيًا بين الإسلامويين والمتطرفين القوميين في الكيان ضد الدولة المصرية.
لكن، وبالأرقام والوقائع، من يدعم فلسطين فعلًا، فمعبر رفح وحده شريان الحياة، وفي الفترة الزمنية عدد الشاحنات الإغاثية المصرية لقطاع غزة تمثل في خلال من أكتوبر 2023 حتي يوليو 2025 أكثر من 30 ألف شاحنة مساعدات غذائية وطبية
كما ان، مصر استقبلت آلاف الجرحى الفلسطينيين في مستشفياتها الميدانية والعسكرية.
وكذلك، إنشاء أكبر جسر جوي وبري للغذاء والدواء منذ اندلاع العدوان.
إضافة إلي رفض علني ورسمي لمخطط التهجير إلى سيناء رغم الضغوط الدولية والإقليمية.
كل ذلك تم رغم التهديدات الأمنية، ومحاولات الاحتلال قصف مناطق قريبة من معبر رفح لتخويف القاهرة وثنيها عن دعمها للقطاع.
ومن خلال تحليل دلالي، تتضح اللغة المسمومة في التظاهرات المزعومة، مثل “مصر تخذل غزة”، وهي جملة تتجاهل التاريخ والجغرافيا وتحوّل الضحية إلى متهم.، و”افتحوا المعبر”، رغم أنه مفتوح بالفعل، تُستخدم هذه الكذبة لتوليد حالة شعبوية غاضبة.
إضافة إلي أن رفع العلم الإسرائيلي، يعتبر مؤشر خطير على التحالف القائم بين المزايدين والاحتلال.
وهنا نواجه معادلة لغوية جديدة، فالجلاد يتكلم بلغة الضحية، والضحية تُمنع من الدفاع عن نفسها.
ويجب ان يعلم الجميع أن مصر ليست خصمًا، بل الحصن الأخير، وأن من يسعى لتشويه القاهرة يخدم الاحتلال، سواء أدرك ذلك أم لا.
وعلي الداخل الفلسطيني في غزة والضفة ان يلتزم بالحذر من المتاجرين بالقضية.
فمصر التي رفضت التهجير، وقادت جهود التهدئة، لا يمكن أن تكون خائنة.
وقد آن الأوان لتسمية الأمور بمسمياتها.
الإخوان وإسرائيل يجتمعان حين يكون الهدف هو ضرب مركز الثقل العربي.
وتُستهدف مصر الأن، لأنها الدولة العربية الوحيدة التي ما زالت تمسك بخيوط الملف الفلسطيني بشكل متوازن ومسؤول.
ولأنها تعرقل مشروع التصفية والتهجير الذي يسعى الاحتلال لتمريره.
ولأنها تُمثل حجر عثرة أمام تمدد الإخوان واستعادتهم لمكانتهم الإقليمية.
وبالتالي، فإن استهداف مصر ليس معزولًا، بل مركزيًا في مشروع إعادة تشكيل المنطقة لصالح قوى دولية وإقليمية.
لكن الموقف المصري قوي و ثبات رغم التشويه، فالقيادة المصرية تعاملت مع هذه التظاهرة بمنتهى الرصانة والحكمة، ورفضت الانجرار وراء الاستفزازات.
كما أن بيانات رسمية وغير رسمية عبّرت عن الغضب دون أن تسقط في فخ التصعيد.
ومصر تواصل وساطتها في غزة بهدوء، لأن القضايا الكبرى لا تُدار عبر الإعلام، بل عبر العمل الصامت والثابت.
وليس غريبًا أن تُستهدف مصر، فقد اعتادت حمل الأمانة وحدها حين تخلّى عنها الجميع. لكن الغريب والمشين أن يتم ذلك على أيدي من يدّعون الدفاع عن فلسطين، بينما يرفعون علم الاحتلال ويهاجمون من ساندهم لسنوات.
إن ما جرى أمام السفارة المصرية في تل أبيب هو تظاهرة ضد الوعي، وخيانة مكتملة الأركان، وسقوط أخلاقي لا يمكن تجاوزه بالصمت.
وستبقى مصر، برغم ذلك، السند الحقيقي لفلسطين، لا تزيف، لا تتاجر، ولا تتراجع.