الركوب الخاطئ للقطارات… حينما يتحول الراكب إلى ضحية رغم حسن نيته
تحقيق صحفي – بقلم حسام النوام
في مشهد يتكرر يوميًا على أرصفة محطات السكك الحديدية، شهدنا واقعة مؤسفة أثارت تساؤلات عديدة حول آليات التعامل مع الركاب في حالة وقوع خطأ غير متعمد.
أحد المواطنين، اصطحب ابنه في رحلة على متن أحد القطارات، فاستفسر من أحد العاملين بالمحطة عن القطار الصحيح، فأجابه العامل بثقة أن “هذا هو القطار المطلوب”، فما كان منه إلا أن صعد بكل اطمئنان. لكن المفاجأة لم تتأخر: مع بدء التفتيش داخل القطار، تم تغريمه مبلغ 200 جنيه بدعوى أنه استقل قطارًا غير المخصص لتذكرته، رغم أن قيمة التذكرة الأصلية 30 جنيهًا، وقد دفع فعليًا 25 جنيهًا أثناء الحجز.
هنا، لا تبدو القصة مجرد مخالفة عادية، بل نموذج حي لحالة من الظلم البيروقراطي الذي قد يتعرض له المواطن رغم حسن نيته واعتماده على توجيهات رسمية من موظف بالمحطة.
الخطأ البشري لا يجب أن يُعاقب بالقصاص المالي
القانون لا يعترف غالبًا بالنوايا، لكنه يجب أن يُراجع حينما تصبح اللائحة أداة لفرض الغرامات أكثر من كونها وسيلة لضبط النظام. فحين يلتزم المواطن بالسؤال والتوجيه ويتلقى معلومة مغلوطة من موظف رسمي، لا يمكن أن يُحمّل كامل المسؤولية على عاتقه.
إن تطبيق الغرامات في مثل هذه الحالات يخلق شرخًا في ثقة المواطن بالمؤسسات، ويدفع الكثيرين للشعور بأن العقوبات تُطبق بلا روح، وبلا تمييز بين من يخطئ عمدًا، ومن يُضلل رغم جهده لتفادي الخطأ.
السكك الحديدية… بين الانضباط وغياب المرونة
من المعروف أن هيئة السكك الحديدية تحرص على الانضباط ومواجهة التهرب من دفع التذاكر أو مخالفة خطوط السير، وهذا توجه محمود. لكن في المقابل، يجب ألا يُطبق الانضباط بشكل أعمى، لا يراعي الحالات الخاصة، خاصة عندما يكون الخطأ ناتجًا عن معلومات خاطئة صادرة من داخل المنظومة نفسها.
وفي ظل التطور التكنولوجي الحادث حاليًا، ووجود أنظمة إلكترونية للحجز وربط التذاكر بالقطارات، كان من الممكن التحقق من موقف الراكب قبل اتخاذ إجراء الغرامة، أو على الأقل منحه فرصة للاستئناف أو الاعتراض دون إذلال أو تحميله أعباء مالية باهظة.
حاجة ملحة لمراجعة آليات التفتيش والتعامل مع الركاب
الواقعة تفتح الباب واسعًا أمام الحاجة إلى تطوير آليات الرقابة والتعامل الإنساني مع الركاب، خاصة في الحالات التي يكون فيها الراكب قد بذل جهدًا لتفادي الخطأ، لكن وقع ضحية لخلل داخل المنظومة.
ونقترح هنا بعض الحلول العادلة:
1. توفير استمارة اعتراض سريعة داخل القطار، يتم من خلالها تسجيل الواقعة لحين البت فيها من قِبل لجنة مختصة.
2. تحمل الهيئة مسؤولية أخطاء موظفيها، بحيث يُعفى الراكب من الغرامة إذا ثبت أنه استقى معلوماته من موظف رسمي.
3. تفعيل خاصية التحقق الفوري من الحجز إلكترونيًا من خلال تطبيق الهيئة، لمنع الراكب من ركوب قطار غير المخصص لتذكرته.
4. تخفيض الغرامة في الحالات غير المتعمدة، خاصة حين يكون الفارق بين سعر التذكرة وقيمة الغرامة مبالغًا فيه وغير متناسب.
5. توعية وتدريب موظفي المحطات بشكل أفضل على دقة المعلومات التي يوجهون بها الركاب، وتحديد مسؤولية واضحة في حال التسبب في توجيه خاطئ.
في الختام… لا بد من عدالة تُراعي المواطن
نحن لا نطالب بترك الحبل على الغارب ولا بإلغاء العقوبات، بل نطالب بـعدالة منضبطة تراعي ظروف المواطن وتُفرّق بين المخالف المتعمد والمواطن حسن النية.
ففي دولة تسعى بكل قوة إلى تطوير مرافقها العامة وتحسين الخدمات، لا بد أن تكون العدالة عنوانًا رئيسيًا في كل خطوة، وأن يشعر المواطن أنه لا يُحاسب على خطأ غيره.
ربما تبدأ الحلول بإجراء بسيط: الاستماع إلى الركاب، لا فقط مطالبتهم بالدفع.