«الاستخبارات وحروب حماية الهوية الثقافية في إفريقيا»
“بين تحديات الهيمنة وصراع السرديات”
رامي زُهدي خبير الشؤون الإفريقية
في خضم التحديات الأمنية، والنزاعات المسلحة، وتصارع القوى الدولية على النفوذ في القارة الإفريقية، يبرز ملف “الهوية الثقافية الإفريقية” كأحد أبرز الجبهات غير التقليدية في الحرب الباردة الجديدة على القارة. ومن بين الأدوات التي تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق، نجد أجهزة الاستخبارات التي أصبحت بوعي أو دون وعي طرفًا مباشرًا في معركة الحفاظ على الهوية، أو طمسها.
ففي إفريقيا، لم تعد الاستخبارات تعني فقط جمع المعلومات ومكافحة الإرهاب، بل تحوّلت إلى فاعل ثقافي، وتكنولوجي، ومعرفي، في صراع تتشابك فيه الهيمنة الغربية، والتغلغل الثقافي الشرقي والغربي، والتدين السياسي، والحركات الانفصالية، والنزعة الشعبوية، مع ما تفرضه التكنولوجيا من اختراقات ناعمة وتهديدات خفية.
ولطالما شكّلت الهوية الإفريقية، بأبعادها اللغوية والدينية والعِرقية والروحية، نقطة تماس حساسة في الصراع بين الشعوب الإفريقية والاستعمار القديم والجديد. فمع مطلع القرن الحادي والعشرين، لم تعد معارك السيطرة تدور فقط حول الموارد، بل امتدت إلى “الرموز الثقافية، والمناهج التعليمية، والسرديات التاريخية، ومنصات الإعلام”.
ووفقًا لتقرير اليونسكو 2023، فإن أكثر من 35% من المناهج الدراسية في إفريقيا جنوب الصحراء ما تزال تعتمد بشكل جزئي أو كلي على مراجع أوروبية، وأن نسبة المحتوى المحلي في وسائل الإعلام المحلية لا تتجاوز 42%، ما يفتح المجال لتغذية سرديات مغايرة ومغلوطة عن التاريخ الإفريقي.
تعددت أدوار أجهزة الاستخبارات في القارة، فمنها من يمارس الدور التقليدي في ضبط الأمن الداخلي، ومكافحة التطرف والإرهاب، ومتابعة النشاطات الخارجية، ومنها من بات يدير ما يُعرف بـ “الاستخبارات الثقافية” ، والتي تُعنى بجمع وتحليل المعلومات حول التوجهات الثقافية، والرموز، والمعتقدات، والنزعات الاجتماعية، وتأثير القوى الناعمة الأجنبية.
وفي هذا الإطار، بات من المُلح أن تعي الأجهزة الاستخباراتية الإفريقية أن مهامها يجب أن تمتد إلى رصد الاختراقات الثقافية الممنهجة من قبل بعض الجهات الخارجية التي تسعى إلى تفكيك المجتمعات الإفريقية عبر دعم جماعات دينية أو عرقية على حساب الدولة.
وتقييم أثر المحتوى الرقمي الموجه إلى الشباب الإفريقي، والذي يحمل في طياته تصورات عنصرية أو سرديات مشوّهة عن القارة.
وكذلك متابعة البرامج التعليمية الممولة من الخارج والتأكد من عدم تضمّنها رسائل تُضعف الانتماء الوطني أو القاري.
كل هذا في ظل التهديدات التي تواجه الهوية الثقافية الإفريقية والتي تتمثل في الغزو الرقمي الثقافي، حيث تشير تقارير الاتحاد الإفريقي للاتصالات إلى أن أكثر من 70% من المحتوى الذي يصل إلى المستخدم الإفريقي عبر الإنترنت يتم إنتاجه خارج القارة، ومع صعود الذكاء الاصطناعي والأنظمة التنبؤية، باتت خوارزميات التوجيه الثقافي تلعب دورًا خطيرًا في تشكيل وعي الأجيال.
أيضا، التوجيه الديني والتشييع السياسي، حيث تُستخدم بعض المؤسسات الدينية كأذرع ناعمة لدول خارجية بهدف تغيير الهوية الثقافية والدينية للشعوب الإفريقية، حيث رُصدت زيادة بنسبة 27% في النشاط التبشيري الإنجيلي في إفريقيا الوسطى والشرقية منذ عام 2020، وتزامنًا مع ذلك، تم توثيق حالات دعم لفصائل مسلحة ذات طابع ديني مذهبي اسلامي.
كذلك الإعلام الموجه، حيث تلعب بعض المنصات الدولية، سواء الغربية أو الشرقية، دورًا محوريًا في تمرير سرديات سياسية عبر بوابة الثقافة، ما يهدد تماسك المجتمعات الإفريقية. ووفق دراسة حديثة للمعهد الإفريقي للدراسات الاستراتيجية، فإن أكثر من 40% من الشباب الإفريقي يثقون في قنوات أجنبية أكثر من قنواتهم الوطنية.
الاستخبارات الإفريقية الوطنية المؤسسية القوية يمكن لها فعل الكثير،فلعل أول الخطوات لحماية الهوية الثقافية في إفريقيا، تبدأ بإعادة تعريف دور الاستخبارات ليشمل البعد الثقافي، ويتم ذلك من خلال إنشاء وحدات متخصصة في الاستخبارات الثقافية ضمن الأجهزة السيادية، تضم خبراء في الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وتحليل المحتوى الإعلامي، وكذلك التحالف الاستخباراتي الثقافي القاري عبر الاتحاد الإفريقي، لتبادل المعلومات حول التهديدات الثقافية العابرة للحدود.
والعمل علي إعداد تقارير دورية للرأي العام الإفريقي عن محاولات اختراق الهوية، دون المساس بالشفافية أو الحريات.
وكذلك، إطلاق منصات رقمية وطنية وقارية تقدم محتوى ثقافي وتراثي ينافس المنصات الخارجية، ويعزز الانتماء والفخر بالهوية الإفريقية.
والتعاون مع المؤسسات التعليمية والفنية لتحديث المناهج والمحتوى الإبداعي بما يخدم الهوية القومية دون الانغلاق.
ولا يمكن أبدا، للأجهزة الاستخباراتية أن تؤدي هذا الدور بمعزل عن الشركاء في الدولة، فالأحزاب الوطنية، ومؤسسات المجتمع المدني، والجامعات، يجب أن تكون شريكة في رسم سياسات ثقافية أمنية متكاملة،وإنتاج سرديات بديلة نابعة من روح القارة.
إضافة إلي خلق وعي عام بمخاطر التغريب الثقافي والانفصال الرمزي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الأحزاب السياسية الوطنية الواعية مثل حزب الوعي في مصر علي سبيل المثال، مثل هذه الأحزاب في القارة تُدرك أن المعركة الثقافية لا تقل أهمية عن أي معركة عسكرية أو اقتصادية.
وفي اطار سعي جاد نحو استخبارات إفريقية جامعة للهوية ومحصنة للسيادة، يكون المطلوب في هذه المرحلة التاريخية، هو تطوير عقيدة استخباراتية إفريقية جديدة، تدرك أن الحرب على الهوية ليست ترفًا ثقافيًا، بل معركة سيادة وبقاء، وأن تفكيك الوعي، والتلاعب بالسردية، أخطر من قصف العواصم بالصواريخ.
وإذا لم تتحرك الدول الإفريقية سريعًا لإعادة هندسة منظوماتها الاستخباراتية لتشمل أدوات التحليل الثقافي، فإننا سنشهد خلال العقد القادم ما يمكن تسميته بـ “الاستعمار الرمزي الجديد”، والذي يُفرغ القارة من ذاتها، ويعيد تشكيل وعي أبنائها على أيدي قوى لا تسعى إلا للسيطرة والهيمنة.
وإن حماية الهوية الثقافية في إفريقيا مسؤولية جماعية، ولكنها تبدأ من عقل الدولة وأجهزتها السيادية، وعلى رأسها الاستخبارات، التي لم يعد يُقبل أن تبقى رهينة المفهوم الأمني التقليدي. فصراع الهويات لا يُدار فقط في ميدان القتال، بل في المدارس، وفي شاشات الهواتف، وفي الخطابات الموجهة للعقل الإفريقي الجمعي والفردي.