اشرف رضا يكتب: العيون التي تحكي قصة غزة: نظرة لا تُنسى
ليست كل النظرات تُروى بنفس القوة. هناك عيون تخبئ خلفها حكايات لا تسعها الكلمات، وعيون تكون هي نفسها الحكاية، إنها عيون فتاة من غزة ، عيون بها نظرة تثقب القلوب وتستقر في أعماق كل من يراها، حاملةً سؤالاً صامتاً ووجعاً يهز الروح.
فإنها ليست مجرد نظرة عابرة، إنها نافذة ترى وتقرأ من خلالها المشاهد الإنسانية المحاطة بالوجع ، نظرة حسرة ما وراء الدموع ، فإذا نظرنا إلى عمق هاتين العينين سنجد نظرة ثاقبة كأنها ترى ما هو أبعد من هذا العالم ، ترى نظرة الحسرة التي ولدت من رحم الخسارة المتكررة ، خسارة المنزل، والأمان، والأحبة، ولوعة الطفولة المسلوبة. نظرة تحمل ذكريات الدمار كوشم محفور على الروح، لا يمكن محوه. نظرة تفتقد الدموع ، وفقدان الدموع بها لا يعني انعدام الألم، بل هو صرخة صامتة بأن الحزن فاق طاقة البكاء.
إنها نظرة غير حادة طغى عليها الإرهاق تحكي قصة جوع متعدد الأوجه. ليس جوعاً للخبز فقط، بل جوع للنوم الهادئ، للمسة أمان، لطمأنينة مفقودة ، نظرة كلها صلابة ترفع الرأس رغم القصف ، صلابة صامدة تصر على البقاء وتقول ما زلت هنا ولن تمحوني القنابل، نظرة تحمل حيرة وتساؤل طفلة لماذا يعاقب الأبرياء ، نظرة تبحث عن إجابة في عيون من ينظر إليها. هذا السؤال الصامت هو اتهام مباشر لضمير العالم أجمع: “أين أنتم؟ هل تروننا؟
هذه النظرة خلطة فريدة من الألم والتحدي وهوية أبناء غز، وكرامة إنسان رافض أن ينكسر، جاعل من مجرد بقائه رسالة مقاومة إلى العالم.
ولكى تتفهم هذه النظرة تماماً، أغلق عينيك وتخيل صوت دوي انفجار لا ينقطع، وصمت رهيب يخيم على أنقاض منزل ورائحة الغبار والرصاص والدمار في كل مكان، تخيل قشعريرة البرد، ولوعة الجوع، ورعشة الخوف التي لا تهدأ.
فهذه النظرة هي الابن الشرعي لهذا الواقع. وعيون شاهدت وجه الموت عن قرب، وعانت من قسوة الجوع، وتشبثت بخيط أمل رفيع كي تثبت أنها لا تزال على قيد الحياة.
فنظرة هذه الفتاة ليستا مجرد نظرة عابرة بل هى قصيدة من الألم الصامت، وشهادة حية على زمن من القسوة.
فالحديث عن هذه النظرة هو واجب إنساني يحول الأرقام المجردة إلى قصة إنسان، وإلى قلب ينبض يستحق الحياة بكرامة.
هذه النظرة تجعلنا فى كل مرة ت تلتقط فيها عينانا صورة من غزة، نتوقف. وننظر بعمق. ونستمع إلى القصة التي ترويها هذه العيون. لأن في إنصاتنا لها إنقاذٌ لإنسانيتها، وتذكيرٌ بأن السلام ليس رفاهية، بل هو حق لكل طفل يولد على هذه الأرض.